المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص الانبياء (أفضل القصص بتفاصيلها )


البروفيسور
07-14-2013, 11:12 PM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته


بسم الله على بركة الله
اللهم وفقنا وتقبل منا إنك انت السميع العليم
اللهم أني أشهدك أني أعمل هذا إبتغاء وجهك الكريم لا غير ذلك
قصص الانبياء
أهلا وسهلا بكم
في أول حلقات قصص الانبياء
ولِمَ إخترنا الانبياء لأنهم خير البشر خير
من مشى على الارض إنهم الناس الذين إصطفاهم الله عز وجل
قال الله عز وجل
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الْقَصَصَ}
الناس في هذه الايام ربما يتأثرون بقصص البشر
ربما يتابعون بعض الافلام الخيالية فيبكون منها
أو يخافون منها أو يتأثرون بها أو يقتدون بأبطالها
أما نحن فنتكلم عن أفضل القصص نتكلم عن خير البشر
الذين يجب أن نقتدي بهم ...
نتكلم عن أحسن القصص بتفاصيلها التي جاءت بالقرءان والسنة الصحيحة من أخبار الامم السابقة
نتكلم عنها بالتفصيل ونستفيد منها الايمان الحِكَم العِبَر
سوف تمر علينا حكايات وقصص وَعِبَر فيها البلاء
فيها يدعوا النبي صلّ الله عليه وسلم فيستجيب الله عز وجل له
نرى كيف أن الامم كانت تحارب الانبياء والرسل
كيف يرسل الله عز وجل الرسل
ما من أمة إلا وأرسل الله عز وجل إليها رسولا
أو نبيا نقرأ هذه القصص نتعلم منها الحِكَم وَالعِبَر
نبدأ وإياكم قصص الانبياء
ـــــــــــــــ

قبل أن نبدأ بقصص الانبياء لابد أن نتكلم عن الخلق كيف بدأ
خلقه الله عز وجل العرش أول المخلوقات ثم بعده بزمن
خلق الله عز وجل القلم فتكلم القلم قال الله عز وجل
له أكتب قال ما أكتب
ما الذي أكتبه يارب قال الله عز وجل له
أكتب ما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة
أكتبه إن كل شيء خلقناه بقدر كل شيء كتبه الله عز وجل
قبل أن يخلق السموات والارض بخمسين ألف سنة
ثم بعد القلم بخمسين ألف عام أذِنَ الله عز وجل
أن يخلق السموات السبع والارضين والجبال والانهار
وما فيها خلق الله السموات والارض في ستة أيام
وبعد أن خلق الله عز وجل السموات والارض والجبال والبحار
والشمس والقمر والكواكب والنجوم وزين السماء بها
خلق الله عز وجل خلقا على الارض سَمَّاهُم الجن
وكان الجن قوما مُفسدون في الارض يسفكون الدماء
ويُفسدون في الارض حتى أن الملائكة كانت تأتي وتُبْعدهم
وكانت تأتي وتعاقبهم وكانت تحبسهم أحيانا في بعض الجزر
في البحار ثم بعد الجن أذن الله عز وجل أن يخلق خلقا جديدا

{وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفة}

الملائكة تريد أن تسأل هل هذا الخلق الجديد سيكون مثل الجن
في إفساده وسفكه للدماء وفي تدميره لهذه الارض
{قالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنَقَدِّسُ لَكَ}

يارب إذا أردت خلقا يعبدك فنحن نعبدك يا رب لِمَ تخلق خلقا
يفعل كما فعلت الجن
الله عز وجل يرد على سؤال الملائكة

{قَالَ إنِّي أعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}

لم تكن الملائكة تعلم أن من هذا الخلق الجديد سيكون أنبياء وشهداء وصالحون وصِدِّيقون

لَمّا أراد الله عز وجل أن يخلق آدم عليه السلام
أمر ملكا من الملائكة أن يذهب إلى تراب الارض
فيأخذ من كل تراب الارض شيئا فجُمِع هذا التراب
وكان التراب منه الابيض والاسود والاحمر والاصفر
فصار منه بني آدم إختلفت ألوانهم واختلفت طِباعهم
فصار منهم الابيض والاسود والاحمر والاصفر
وصار منهم السهل ومنهم الصعب ومنهم الطيب
ومنهم الخبيث فخُلِق آدم من تراب في يوم جمعة
ثم بُلِّل بالماء فصار طينا وضل على هذه الحال زمنا
ثم إزداد تماسكه فصار طينا "لاَزِباً"
ثم تغيرت رائحته فصار طينا" مَسْنُوناً"
ثم بعد زمن صار كا الفخار الاجوف
هكذا خُلِقَ آدم عليه السلام ضل زمنا على هذه الحال

{وَلَقدْ خَلَقنا الانسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ}

{ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ ٍمَسْنُونٍ}

هذا خلق آدم عليه السلام

قال الله عز وجل
{فإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فقعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}

أصل خلق آدم لَمّاَ خُلِقَ على هذا الحال ولم يُنفخ فيه الروح
ضل سنوات على هذا الحال فكانت الملائكة تترقبه
ما هذا المخلوق وكيف سيكون
بل إن إبليس بنفسه كان يَحُومُ حوله ويدخل في جوفه ثم يخرج
وينظر إليه ويتخوف منه ويحسده
ويقول للملائكة لا عليكم إنه أجوف
لئِنْ سُلِّطْتُ عليه لأهْلِكَنَّهُ
إن إبليس يتحدى والملائكة تترقب والله يأمر
إذا نُفِخَ فيه الروح فقعوا له ساجدين كيف سَيُنفخ فيه الروح
وماذا سيحصل لآدَمْ عليه السلام إذا نُفِخَ فيه من الروح
ــــــــــــــــــــــــــ

لي عوده ان شاء الله لنكمل معكم

البروفيسور
07-14-2013, 11:13 PM
بدت لحظة عظيمة تاريخ جديد للبشر
بل هو بداية تاريخ البشر بدأت لحظة النفخ في الروح لآدَمْ عليه السلام
كل من في الملاء الاعلى ينتظر إنها لحظات عظيمة
وموقف عظيم لحظات مشهودة بدأت الروح تسري
في رأس آدم عليه السلام بدأ ينظر فتح عينيه يلتفت يمنة ويسرة
ماذا ينظر إنها الجنة إنها ثِمَارُها إنها أشجارها وأنهارها
وصلت الروح إلى أنف آدم فَعَطَسْ
فقالت الملائكة يا آدم قل الحمد لله فقال الحمد لله
فقال الله عز وجل يرحمك ربك نزلت الروح إلى جوف آدم عليه السلام إشتهى ثِمار الجنة إشتهى الاكل منها
يريد أن يصل إلى ثمار الجنة عجلان

{خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}

خُلِق الانسان من عجل فلما إكتملت الروح في آدم عليه السلام
وبدأ يمشي والملائكة تنظر والكل يترقب قال الله عز وجل
يا آدم أنظر إلى أولئك النفر من الملائكة
إذهب إليهم فقل السلام عليكم فمشى آدم ووصل إلى الملائكة
فقال السلام عليكم فردت الملائكة قائلة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته إستأنست الملائكة بِآدم عليه السلام
إنها بداية تاريخ البشر إستأنس آدم واستأنست الملائكة
فقال الله عز وجل يا آدم إنها تَحِيَّتُكَ وتحية ذريتك من بعدك
فمسح الله عز وجل على ظهر آدم فنزلت كل ذريته من آدم
إلى أن تقوم الساعة
تخيلوا كم هي ذرية آدم من خلقه إلى أن تقوم الساعة
كم هي المليارات التي نزلت أرواحها أنا وأنت وأنتِ وكل من نسمع
نزلنا في ذلك اليوم أهل الجنة وأهل النار
نظر إليهم آدم عليه السلام فقررهم الله عزوجل
يخاطب كل ذرية آدم عليه السلام يقول لها ألست بربكم
فقال كل البشر بلى نشهد على هذا
فقال الله عز وجل لهم لا تأتوا يوم القيامة
لتقولوا إن كنا عن هذا غافلين
إنه الفطرة المركوزة في القلوب

{وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أنْ تقُولُوا يَوْمَ القِيَّامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذاَ غَافِلِينَ}

فِطرة في القلوب لا تُنكرها يوم القيامة
لما إستوى خلق آدم الان جاء تنفيذ الامر
أي أمر إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
فإذا الملائكة كلها كل من في السماء كل الملاء الاعلى
كل الملائكة على رأسهم جبريل كلهم سجدوا لآدم إحتراما له
تكريما لهذا المخلوق واستجابة لأمر الله عز وجل

{فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أجْمَعُونَ}

تخيلوا هذا المنظر تخيلوا هذا المشهد

إلا مخلوق واحد مخلوق غريب وحقير لم يكن من الملائكة
جعله الله عز وجل معهم ضل قائما ضل مُستويا ينظر إلى من حوله
ينظر إلى الملائكة ساجدين
إلا هو ضل قائما بكبر وحقد وحسد
سأله الله عز وجل وهو أعلم به يا إبليس

{مَالَكَ ألاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}

وربنا أعلم به أنظروا إلى الاجابة الوقحة

{قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ}

أنا أسجد لهذا المخلوق

{لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ }

أنا المخلوق من نار أسجد لمن خُلِق من طين
إنه الكبر إنه الكبر قبحه الله ماذا يفعل بأصحابه
أول معصية عُصِيَ الله بها في السماء ممن من إبليس الذي رفعه الله
وجعله في الملاء الاعلى فرد الله عز وجل على إبليس

{قالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةُ إلَى يَوْمِ الدِّينِ}

فإذا بربنا عز وجل يطرده من الملاء الاعلى
يطرده من هذه المكانة العالية التي كان فيها إبليس كُرِّمَ لسنوات عديدة ولزمن طويل حتى جعله الله عز وجل يعيش مع الملائكة
لكنه الان يطرد منها

{قالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلَى يَوْمِ الدِّين}

أمر واحد لم يستجب فيه إبليس لربه عز وجل
حَلَّتْ عليه اللعنة إلى متى إلى يوم القيامة
أمر واحد جعلت اللعنة تُصيب صاحبها لما خالفها
يستحق هذه المنزلة لِكِبْرِهِ وَحَسَدِهِ
أما آدم عليه السلام فقد أدخله الله عز وجل الجنة
يأكل من ثِمارها ويشرب من أنهارها ويستظل بظلالها
بعد أن طرد الله إبليس من الملكوت الاعلى
ولعنه لم يطلب هذا اللعين الخبيث من ربه الصفحة
إنما طلب أمرا آخر ما ذا طلب

{قالَ رَبِّي أنْظِرْنِي }

{قالَ رَبِّي أنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}

أخرني يا رب ليس إلى النفخة الاولى بل إلى النفخة الثانية
إلى يوم البعث أخِّرني يارب طَوِّلْ عُمُرِي
هو يؤمن بربه ويؤمن بيوم البعث ويؤمن بالجنة والنار
لكنه إستكبر لكنه تَكَبَّرَ على أمر الله عز وجل
فاستجاب الله له مع أنه كافر مع أنه لَعِين وأعطاه الله ما أراد

{قالَ إنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ }

أعطاه الله الانظار والامهال والتأخير فهو يعيش إلى النفخة الثانية
ثم بعدها قال لربه ربي لِما أخرتني ماذا سوف أفعل لآدم وذريته
قال يارب
{ثمَّ لأتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِم وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}

لِمَ لم يقل من فوقهم لأنه يعلم أن الله فوقهم

{ثمَّ لأَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ
وَلاَ تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }

قال الله عز وجل أخرج منها مَذؤُماً مدحورا لمن تبعك منهم
أي واحد من الانس يتبعك يإبليس لأملأن جهنم منكم أجمعين
لأملأن جهنم منك يإبليس
وممن إتبعك من بني آدم أجمعين
وأعطاه الله عزل وجل ذرية في الارض
وأعطاه الله عز وجل ذرية من الشياطين كلهم تَبَعٌ لإبليس
فهو يملك جيشا عظيما من الشياطين كلها لحرب آدم وبنيه

{وَاسْتَفْزِز مَنِ إسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلاَ غُرُوراً}

إبليس الذي لُعِن وطُرِد من الملكوت الاعلى
هذا المخلوق يتحدى ربه أنه يَغُرُّ بني آدم
وأنه يصرفهم عن طاعة الله عز وجل ويزين لهم المعاصي
ويحرفهم عن طاعة الله جل وعلا والله عز وجل
لمّا قال إبليس له هذا الكلام قال رب بعزتك وجلالك لأضلنهم
رَدَّ الله عز وجل على إبليس قال يا إبليس وعزتي وجلالي
لأغفرن لهم ما إستغفروني
سبحانك ربي ما اكرمك ...

أما آدم عليه السلام فقد أدخله الله عز وجل الجنة
يأكل من ثمارها ويشرب من انهارها ويستظل بظلالها
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تضمأ فيها
ولا تضحى أي نعيم هذا الذي يعيش فيه آدم عليه السلام
مع كل هذا النعيم إلا أن آدم عليه السلام
قد أستوحش وجاءه بعض الهم كيف أعيش في هذا النعيم
لوحدي نام آدم عليه السلام
فلما إستيقظ رأى إمرأة عنده من أنت أنا إمرأة
من الذي جاء بك خلقني الله عز وجل ولِم خلقك خلقني لِتَسْكُنَ إلي

{يَآ أيُّهَا النَّاسُ إتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ }

سألت الملائكة ادم عليه السلام قالت يا آدم
ما إسمها تريد أن تختبره هل
يعلم الاسماء كلها أم لا
ما إسمها قال ادم عليه السلام إنها حواء
قالت الملائكة ولِمَ حواء قالت لأنها خُلِقَتْ من شيء حي
فقد خُلِقَتْ حواء من ضِلْعِ آدم عليه السلام
إنه يتنعم الان مع حواء مع تلك الزوجة في هذه الجنة
الانهار الاشجار الثِمار النعيم
ما أحلى هذه الجنة التي يسكن فيها آدم وزوجته حواء
كل شيء لكما حلال في هذه الجنة أنهارها ثِمارها خيرتها
ضلالها كل شيء حلال إلا أمر واحد
وما هو أرأيت هذه الشجرة لا تقتربا منها إياكما والاقتراب منها

{وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }

لم ينهما الله عز وجل عن الاكل بل قال لا تقربا منها
أما الاكل فهو أعظم من مجرد القرب من هذه الشجرة
ويا آدم أنت وحواء إحذرا من شخص ثالث سيعيش بينكما
هو العدو الذي توعد أن يُخرجكما من هذه الجنة
سيوسوس ويمكر ويغري ويُغِرُّكُمَا
فإياك وزوجتك أن تصدق كلامه ويا آدم

{إنَّ هَذاَ عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَّنَّكُمَا مِنَّ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}

إعلم يا آدم أن المعركة صعبة وأن هذا العدو
هذه جولته الاولى وسوف يحرص على أن تأكل هذه الشجرة
فإياك وزوجتك أن تقربا من هذه الشجرة
هل سيقتنع آدم عليه السلام بأمر الله عز وجل
ويقنع بالجنة ويترك هذ الشجرة
أم أنه سيسقط بحبل هذا الشيطان وإبليس
ويقع بمكره ويأكل من هذه الشجرة
كيف سيوسوس إبليس لِآدَمَ عليه السلام كيف
سَيُغَرّرُ بحواء زوجة آدم ماهي الجولة الاولى
وما أحداثُهَا ومن الذي سيحدث بعدها هذا ما سوف نعلمه
إن شاء الله في المشاركه القادمه

البروفيسور
07-14-2013, 11:14 PM
نعرف أن إبليس اللعين أبى السجود
لسيدنا آدم عليه السلام
واستكبر وأصبح من الكافرين
كيف دخل إبليس الجنة فأزل سيدنا آدم وحواء عنها وأخرجهما
فهو وسوس لآدم حتى وقع ما وقع من أكله من الشجرة
هو وزوجته حواء
ثم اهبطوا جميعا...
هبط آدم وهبطت حواء وهبط إبليس
كلهم هبطوا كما قال الله

(وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)

فالله أهبطهم جميعا بسبب عصيان إبليس أمر ربه
واستكباره عن السجود لآدم
وبسبب عصيان آدم وزوجته حواء بأكلهما من الشجرة
التي منعا منها
وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ سيدنا آدم.
أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء
وأخطأ سيدنا آدم بسبب الفضول

لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى اكتشف أنه أصبح عارياً وأن زوجته عارية
وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر
لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري.
وهبط آدم وحواء إلى الأرض
واستغفرا ربهما وتاب إليه.
فأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يتوب إليها ويلوذ بها ...
وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي..
يعيشان فيهما...
ويموتان عليها...
ويخرجان منها يوم البعث...
وبكى آدم عليه السلام لما سمع الأمر الإلهيّ له بالخروج من الجنة…
وبكت الملائكة لهذا المخلوق الذي سجدت له تكريماً.
فأهبط آدم إلى الأرض على جبل سرنديب في بلاد الهند
و حوّاء بجُدَّة
ثم أنّ الله سبحانه وتعالى
أمر آدم أن يتوجّه من الهند إلى مكة المكرّمة
فتوجّه آدم إليها حتى وصل إلى الصفا…
ونزلت حواء بأمر الله إلى المروة
حتى التقيا من جديد في عرفة.
وهناك دعا آدم ربّه مستغفراً
اللهم بحق محمد وآله والأطهار، أقلني عثرتي، واغفر لي زلتي
وأعدني إلى الدار التي أخرجتني منها

{وتلقى آدم من ربّه كلماتٍ فتاب عليه}

لم يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير
عن حياة آدم عليه السلام في الأرض.
لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل.
حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض.

وكانت قصتهما كالتالي

كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا.
وفي البطن التالي ابنا وبنتا.
فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني..
ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه..
فأمرهما آدم أن يقدما قربانا
فقدم كل واحد منهما قربانا
فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل.

قال تعالى
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ
مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي
مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)

قال تعالى

(إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ )

انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير
وترك الطيب مؤقتا.
بعد أيام..
كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة..
فقام إليه أخوه قابيل فقتله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل"
جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض.
كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض..
ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد.
وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها..
ثم رأى القاتل غرابا حيا بجانب جثة غراب ميت.
وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره
وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر
وعاد يهيل عليه التراب..
بعدها طار في الجو وهو يصرخ
اندلع حزن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأحرقه الندم
نقص أبناء آدم واحدا
وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم
واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض
وراح يحفر قبر شقيقه

قال آدم عليه السلام حين عرف القصة

(هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)

وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه.
مات أحدهما
وكسب الشيطان الثاني
صلى آدم على ابنه

البروفيسور
07-14-2013, 11:15 PM
وعاد إلى حياته على الأرض
إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه
ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه
ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه.
ويروي لهم قصته هو نفسه معه
ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه
وكبر آدم عليه السلام ومرت سنوات وسنوات..
وعن فراش موته ...
يروي أبي بن كعب فقال
إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه
أي بني
إني أشتهي من ثمار الجنة
قال فذهبوا يطلبون له
فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه
ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل
فقالوا لهم
يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟
أو ما تريدون وأين تطلبون؟
قالوا
أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة
فقالوا لهم ارجعوا فقد قضي أبوكم.
فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم عليه السلام
فقال إليك عني
فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل
فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه
وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه
ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره
ثم حثوا عليه
ثم قالوا
يا بني آدم هذه سنتكم

وفي موته يروي الترمذي
حدثنا عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة
هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة
وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور
ثم عرضهم على آدم فقال
أي رب من هؤلاء؟
قال: هؤلاء ذريتك
فرأى رجلاً فأعجبه وبيص ما بين عينيه
فقال
أي رب من هذا؟
قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود
قال رب وكم جعلت عمره؟
قال ستين سنة
قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة
فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت
قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟
قال: أو لم تعطها ابنك داود؟
قال فجحد فجحدت ذريته
ونسي آدم فنسيت ذريته
وخطىء آدم فخطئت ذريته"

مات سيدنا آدم عليه السلام وكان عمره 960 سنه
وماتت أمنا حواء بعد سيدنا آدم عليه السلام بسنه
وهي سيدة العالم الأولى
التي شرفت الدنيا بطلعتها
وهي أم البشرية


في المشاركه القادمه سوف نتحدث
بمشيئة الله عز وجل
عن نبي الله شيث ابن سيدنا آدم عليه السلام
وهو النبى الذى جاء بعد سيدنا آدم عليه السلام

البروفيسور
07-14-2013, 11:16 PM
هو نبي الله شيث ابن سيدنا آدم علية السلام
جعل الله تعالى شيثًا نبييا بعد موت سيدنا ادم عليه السلام
قام سيدنا شيث بالأمر بعد سيدنا ادم عليه السلام
يدعو إلى طاعة الله وتطبيق شريعة الله
وقد كان الناس في زمانه على دين الإسلام
يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا
كان قابيل يسكن السهول ...
والاخرون يسكنون الجبال...
وكان رجال الجبال اشد جمالا من رجال السهول
ونساء السهول اشد جمالا من نساء الجبال

فبدا ابليس يعمل وينشر الفساد
وجاء لرجل فى صورة غلام
وبدا يعمل عند هذا الرجل ويخدمه
وهو من قوم قابيل
وبدا يعلمه الاغانى والموسيقى
وجاء بصوت لم يسمعه احد من قبل
حتى وصل الى اهل الجبال
فبدءوا يدنون منهم ليسمعوا الصوت
واتخذوا اهل قابيل يوما عيداً لهم
يجتمعون اليه مرة فى السنة
وفى يوم العيد تتبرج النساء للرجال
فبدا رجال الحبال ينظرون الى نساء السهول
وكانت من شريعة شيث عليه السلام عدم الاختلاط
بين رجال ونساء ابناء قابيل.

ولكن بدا بعض الناس يخالفون شيث عليه السلام
وبدا رجل من اهل الجبال يذهب الى السهول
فراى جمال النساء وصباحتهن فرجع واخبر اصحابه
فارادوا ان يروا هذا
ويذهبوا الى يوم العيد
وبدات الفاجعة وبدا الزنا
وبذلك ظهر الفساد بهذه الصورة العظيمه
فبدا شيث يحاول ان يحافظ على الباقى الذي معه
ويمنعهم من فعل الفواحش

ولكن بدا الشيطان يوسوس وبدات جماعة قابيل تكثر وجماعة شيث تقل
الى ان جاء ادريس عليه السلام

ادرك إدريس عليه السلام 120 سنة من حياة ادم وراه وعاش معه
فلما مات ادم عليه السلام ومات شيث عليه السلام
اصطفى الله ادريس نبيا ورسولا
ظل إدريس عليه السلام على شريعة شيث عليه السلام
ونزل بشرع جديد وهو الجهاد فى سبيل الله
وذلك بعد انتشار الفتنة والفساد والفواحش
فكان ادريس عليه السلام اول من قاتل فى سبيل الله
إدريس عليه السلام هو أحد الرسل الكرام
الذين أخبر الله تعالي عنهم في كتابة العزيز
إدريس عليه السلام هو أول بني آدم أعطي النبوة بعد
(آدم) و(شيث) عليهما السلام
وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم
ومن صفاته طويل القامه
حسن الوجه عريض المنكبين
اكحل العينين
كثير التفكر
كافل الاعضاء اذا مشى نظر الى الارض
ظل إدريس عليه السلام على شريعة شيث عليه السلام
وبدء يضيف بعض الشرائع
شرع القتال فجهزا الخيول والمشاه وهجم على قبيلة قابيل وهزمها
قبضت روح سيدنا ادريس في السماء الرابعه
وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بإدريس عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج
وهو في السماء الرابعة فسلم عليه

قال تعالى

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا
وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّ)

ترك إدريس عليه السلام البشريه
على شريعه آدم وشيث عليهم السلام

تم بحمد الله وسوف نتحدث في المشاركه القادمه عن كيف بدأت عبادة الاصنام
في حفظ الرحمن

البروفيسور
07-14-2013, 11:16 PM
بعد ان توفي سيدنا آدم عليه السلام وولديه
وتعاقبت الازمنة بدا الناس يكثرون ويتباعدون ويتفرقون
في الارض وبعد الزمان بينهم وبين عبادة الله الواحد
ولم يبقي غير افراد صالحين...
ومما راي الناس فيهم صلاح وفلاح
وكان لهم أتباع يقتدون بهم
بعد وفاتهم حزن عليهم قومهم كثيراً
وحاولوا ان يتذكروهم من خلال بناء تماثيل لهم
وقاموا بالتقرب الى هذه التماثيل لانها تذكرهم بالرجال الصالحين..
وبعدها اتى الجيل الجديد من هذا القوم
ووسوس الشياطين لهم ...
وقال لهم ان ابائكم كانوا يقدسوا هذه التماثيل ويعبدوها
لانهم تقربهم الى الله وفعل الناس ذلك حيث قدسوا التماثيل وعكفوا على عباداتها
بسبب وسوسة الشيطان
وبعدها بدأت عبادت الاصنام بالانتشار...
وبعث الله سبحانه وتعالى نوح عليه السلام
ليرشدهم إلى الطريق..
وينهاهم عن عبادة الأصنام..
ويهديم إلى عبادة الله تعالى
ومنهم من اسلم ومنهم من ظل على عبادة الاصنام
فجاء نوح عليه السلام إلى القوم..
فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره
فكذّبوه، ولم يقبلوا منه، فأنذرهم من عذاب الله تعالى
قال إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم
قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالةُ
ولكني رسول من ربّ العالمين أبلّغكم رسالات ربّي وانصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون
فتعجّب القوم من نوح عليه السلام ..
وجعلوا يقولون أنت بشر مثلنا
فكيف تكون رسولاً من عند الله؟
وإن الذين اتبعوك هم جماعة من الأراذل والسفلة..
ثمّ لا فضل لكم علينا فلستم أكثر منّا مالاً أو جاهاً..
وإنا نظنّ إنكم كاذبون في هذه الادعاءات..
وقال بعض القوم لبعض
ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم
إن هو إلا رجل ينطق بما يدل على جنونه وعلى عدم عقله
ولكن نوح عليه السلام لم ييأس منهم بل كان يأتيهم كل صباح ومساء
ويدعوهم وينذرهم بلطف ولين..
وكان القوم إذا جاءهم نوح عليه السلام للدعوة جعلوا أصابعهم في آذانهم
حتى لا يسمعوا كلامه
واستغشوا ثيابهم اي تغطّوا بها حتى لا يروه.
وكثيراً ما هاجموه، وضربوه حتى يغشى عليه
لكنّ نوح عليه السلام النبي العظيم العطوف الحليم
كان إذا أفاق يقول
اللهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون.
وفي مرات أنهكوه ضرباً وصفعاً حتى جرت الدماء عن مسامعه الكريمة
وهو مع ذلك كلّه كان يلطف بهم ويدعوهم إلى الله تعالى
فكانوا يقولون
يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا حتى علم أنه لا يفيدهم النصح
فتوجّه إلى الله تعالى ضارعاً
قال ربّ إنّي دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً
وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم
وأصرّوا واستكبروا استكباراً
ثم إني دعوتهم جهاراً
ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً
فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال
وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهاراً
واختلق بعض أولئك الكفّار عذراً
فقالوا
أنؤمن لك واتّبعك الأرذلون فإن أردت هدايتنا
وإعزازنا لك فاطرد هؤلاء الأرذلين الذين آمنوا بك عن حوزتك..
فإنّا لا نستطيع أن نقرن بهؤلاء
فكيف نستجيب لدين يستوي فيه الشريف والوضيع
والكبير والصغير؟
فأجابهم نوح عليه السلام بلهجة كلّها حنان وتذكير
قال وما علمي بما كانوا يعملون
إن حسابهم إلا على ربّي لو تشعرون
وما أنا بطارد المؤمنين
وما أنا بطارد الذين آمنوا
وكيف أطرد جماعة آمنوا بي
وآزروني وساعدوني على نشر الدعوة
ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكّرون
إن أنا إلا نذير مبين
أنذر الناس على حدّ سواء
من غير فرق بين الشريف والوضيع
والغنيّ والفقير
والكبير والصغير.
ولما انقطع القوم عن الاحتجاج..
ولم يتمكّنوا من رد الأدلة التي ذكرها نوح عليه السلام أخذوا يهدّدونه بالرجم بالحجارة
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين

وقد علم نوح عليه السلام أنهم لا يقبلون منطقاً
ولا يهتدون
فضرع إلى الله تعالى
في أن ينجّيه من هؤلاء المعاندين
قال ربّ إن قومي كذّبون
فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجّني ومن معي من المؤمنين
وحيث كان نوح يخوّف قومه من عذاب الله
إن أصرّوا على الكفر..
قال بعضهم استهزاءً إلى متى تهدّدنا بعذاب الله
فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين
فأجابهم نوح عليه السلام
إن هذا الأمر ليس بيدي..
وإنما يأتيكم به الله إن شاء
ثم توجه إليهم في تحسّر
وقال
لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم
وعند ذاك توقّع النّصر من الله تعالى..
وانتظر الوحي ليعلم أنّه ما ينبغي أن يصنع بهؤلاء القوم فأوحى إليه الله تعالى
إنّه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون
وإذ تمّت الحجة..
وانقطعت الأعذار
وطالت الدعوة
يئس نوح منهم يأساً باتّاً وأشفق على أولادهم وأحفادهم أن يأخذوا طريقة الآباء في الكفر والإلحاد.
فدعا إلى الله تعالى
قائلاً
(ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً
إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفّاراً)
وحينئذ أمره الله تعالى

بصنع السفينة
قال الله تعالى
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا

البروفيسور
07-14-2013, 11:17 PM
فأخذ نوح عليه السلام يصنع الفلك وجبرئيل عليه السلام يعلّمه كيف يصنعها..
وكان محلّ صنع السفينة صحراء ويصنع الفلك وكلما مرّ عليه ملا
من قومه سخروا منه فكان بعضهم يقول
أيها النبي
لم عدلت عن رسالتك إلى النّجارة؟
وبعضهم كان يقول
يا نوح صرت نجّاراً بعد النبوّة
وبعضهم كان يقول
السفينة تصنع للبحر وأنت تصنعها في البر
وكانوا يتضاحكون ويتعجبون
ويرمون نوح عليه السلام بالجنون والسّفه.
ويجيبهم نوح عليه السلام
في تأدّب ولين
إن تسخَروا منّا فإنّا نسخر منكم
كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ
يخزيه ويحلّ عليه عذابٌ مقيم
واشتغل بالعمل جادّاً حتى تمّ صنع السفينة.
ثم أمر الله سبحانه نوح عليه السلام
أن يحمل في السفينة الذي آمنوا معه..
ومِن كل ذي روح زوجين اثنين
لئلا ينقرض نسل الحيوان..
وقد كان نوح عليه السلام هيّأ لكلّ صنف من أصناف الحيوان موضعاً في السفينة
وحمل الذين آمنوا به
وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها
إن ربّي لغفور رحيم
وكان لنوح عليه السلام زوجتان
إحداهما مؤمنة...والثانية كافرة...
وكانت الزوجة الكافرة تؤذي نوح عليه السلام
وتقول للناس إن زوجي مجنون وإذا آمن أحد منكم أخبرت الكفّار
وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى هذه الزوجة

حيث قال

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ
كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا
فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)

ولما ركب نوح عليه السلام السفينة
اركب معه الزوجة المؤمنة
وترك الكافرة
فغرقت مع سائر الكفار.
ولما ركب نوح والّذين آمنوا معه السفينة
وأركب جميع الحيوانات
وأخذت السماء تمطر مطراً غزيراً
وطفقت عيون الأرض تنبع بالمياه الكثيرة

(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ )

حتى جرت المياه على وجه الأرض فالتقى الماء
ماء الأرض وماء السماء
واستمرّ هطول الأمطار ونبع العيون حتى صار العالم كبحر كبير
وفي تلك الأثناء كانت السفينة تجري فوق ظهر الماء
وإذا بنوح عليه السلام
يشرف من السفينة فيرى ولده يقع مرّة، ويقوم أخرى
يريد الفرار من الغرق
فناداه
(يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين)
لكن الابن العاق أبى قبول نصيحة والده
وأجاب نوح عليه السلام
(قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)
فنظر إليه نوح نظر مشفقٍ
وقال
(لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)
ولكنّ عناد الولد
وإصراره على الكفر حال بينه وبين قبول نصح أبيه فلم يركب السفينة
وبعد برهة من هذه المحاورة
حال بينهما بين نوح عليه السلام وولده
(الموج فكان من المغرقين)
وأخذت نوح عليه السلام
الرقة على ولده
فتضرّع إلى الله تعالى في نجاة ابنه الغريق
فإن الله تعالى كان قد وعده بنجاة أهله
فقال نوح عليه السلام

(ربّ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحقّ وأنت أحكم الحاكمين)

ولكنّ الله تعالى

كان قد وعد نجاة أهل نوح الذين كانوا من الصالحين ولذا أجابه

(يا نوح إنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح)

بعدما غمر الماء جميع الأرض وهلك كل كافر

(قيل يا أرض ابلعي ماءك)

فغاض الماء الذي نبع من الأرض وأوحى إلى السماء

(يا سماء اقلعي)

وكُفي عن الانصباب والمطر فانقطع المطر (واستوت) السفينة

(على الجودي) وهو جبل

أرست السفينة عليه
وأخذت المياه التي بقيت على الأرض
من الأمطار تتسرّب إلى البحار.
وأوحى إلى نوح عليه السلام

(يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك
وعلى أممٍ ممن معك)

فنزل نوح من السفينة
ونزل المؤمنون الذين كانوا معه
وبنوا مدينةً وغرسوا الأشجار وأطلقوا الحيوانات التي كانت معهم.
وابتدأت العمارة في الأرض
وقد كانت سفينته عليه السلام محكمة الصنع..
فقد اخذ حوالي مئه سنه في صنعها.
وقد كانت مغطاه من الاعلى..
ولها 3 ابواب مصفوفة فوق بعض
قضى نبينا عليه السلام
ومن معه على السفينه ما يقارب 6 اشهر..
فكان يرسل حمامه ليتاكد من انتهاء الطوفان
فترجع وليس معها شي..
وهكذا الحال يرسلها فترجع وليس معها شي
و في يوم ارسلها فرجعت ومعها غصن زيتون
ثم ارسلها مره اخرى
وفي قدميها اثار طيبن..
فعرف ان الطوفان وقف
نزل نوح عليه السلام وليس يوجد على الارض غيره ومن معه..
وقد كانت جميع الارض خاليه من اي حياة
فجعل الله سبحانه وتعالى
القوم الذين مع نوح عقيمين..
ولم يلد منهم احد حتى ماتوا
وقد ماتوا و انتهوا..
ولم يبقى اب للذريه غير نوح وزوجته ....
لذلك يسمى نوح عليه السلام آدم الثاني

يقول تعالى

"ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا"

كان لنوح 3 اولاد
سام... فيهم بياض وقليل من السواد
وحام ...فيهم سواد وقليل من البياض
ويافث... وفيهم من الحمرة والشقره
العرب واسرائيل من ذرية سام
والافارقه من ذرية حام
والغرب وشرق اسيوين من ذرية يافث

عاش بعد الطوفان 350 عام وقد كان يصوم الدهر كله الا يوم العيد يفطر فيه....
ومات نوح عليه السلام
في مكه وانتهت قصة سيدنا نوح عليه السلام
وكان اول تدمير ينزل في الارض لقوم سيدنا نوح عليه السلام

البروفيسور
07-14-2013, 11:21 PM
وهذه الصوره تصور لشكل السفينه قبل اندلاع الطوفان
وهو وصف دقيق لمواصفات سفينه سيدنا نوح عليه السلام

http://im42.gulfup.com/qNA45.jpg (http://www.gulfup.com/?M9DM0x)

اما هذه الصوره فهي عباره عن وصف تخطيطي للسفينه
من الداخل حسب الهيكل المكتشف
وحسب المنطق في بناء تلك السفينه

http://im35.gulfup.com/1chVk.jpg (http://www.gulfup.com/?EaQ0mO)

وهذه الصوره للمرسي عن قرب

http://im35.gulfup.com/g8txh.jpg (http://www.gulfup.com/?8eaFNR)

هذا مقطع يبين شكل السفينه

http://im35.gulfup.com/c7P9l.jpg (http://www.gulfup.com/?8gOl1H)
في المشاركه القادمه سوف نتحدث
عن قصة هود عليه السلام مع قومه وكيف عذبهم الله
قوم عاد ونبيهم هود عليه السلام ومدينتهم إرم التي وصفها الله
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا

فارس بلا جواد
07-15-2013, 12:01 AM
و لا أروع و لا أحلى من قصص الأنبياء..لا يندم من قضى وقته في قرائتها..و لا يرتوي من طيب معانيها و أحداثها من قرأ حكاياتها..شكرا لك أخي الكريم على هذا المجهود.., بإنتظار الإستمرار في هذا المشروع الطيب..:7h5:

البروفيسور
07-15-2013, 01:12 AM
و لا أروع و لا أحلى من قصص الأنبياء..لا يندم من قضى وقته في قرائتها..و لا يرتوي من طيب معانيها و أحداثها من قرأ حكاياتها..شكرا لك أخي الكريم على هذا المجهود.., بإنتظار الإستمرار في هذا المشروع الطيب..:7h5:
عطرتم المكان بردودكم الطيبه ..
ودي وتقديري ...

البروفيسور
07-15-2013, 01:12 AM
بعد أن ابتلعت الأرض مياه الطوفان الذي أغرق من كفر
من قوم نوح عليه السلام
قام من آمن معه ونجى بعمارة الأرض.
فكان كل من على الأرض في ذلك الوقت من المؤمنين.
لم يكن بينهم كافر واحد ومرت سنوات وسنوات
مات الآباء والأبناء وجاء أبناء الأبناء.
نسى الناس وصية نوح عليه السلام
وعادت عبادة الأصنام
انحرف الناس عن عبادة الله وحده
قال أحفاد قوم نوح عليه السلام
لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان.
وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها
وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة
وإذا بالتماثيل تتحول بمكر من الشيطان إلى آلهة مع الله
وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية.
وأرسل الله سيدنا هود عليه السلام إلى قومه
كان هود عليه السلام من قبيلة اسمها "عاد"
وكانت هذه القبيلة تسكن مكاناً يسمى الأحقاف..
أما مساكنهم فكانت خياماً كبيرة لها أعمدة شديدة الضخامة والارتفاع
وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام والطول والشدة..
كانوا عمالقة وأقوياء فكانوا يتفاخرون بقوتهم
فلم يكن في زمانهم أحد في قوتهم.
ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول مظلمة
كانوا يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها ويحاربون من أجلها
ويتهمون نبيهم ويسخرون منه.

قال لهم هود عليه السلام

(يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)

وسأله قومه
هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟
وأي أجر تريده؟
إن هذه الظنون السئية تتكرر على ألسنة الكافرين
عندما يدعوهم نبيهم للإيمان بالله وحده.
فعقولهم الصغيرة لا تتجاوز الحياة الدنيوية.
ولا يفكروا إلا بالمجد والسلطة
كانوا يسكنون البيوت ذوات الأعمدة الضخمة

قال تعالى

(إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)

ويبنون القصور العالية والحصون المرتفعة
ويتفاخرون ببنائها

قال تعالى

(أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)

ويملكون حضارة عظيمة وقد برعوا في الزراعة
بسبب توفر الماء العذب الغزير وكثر لديهم الخير الوفير
وكثرت الأموال والأنعام....
وأصبحت منطقتهم حقولاً خصبة خضراء
وأعطى الله أهل هذه القبيلة بنية جسدية تختلف عن سائر البشر
فكانوا طوال الأجسام أقوياء..
إذا حاربوا قومًا أو قاتلوهم هزموهم
وبطشوا بهم بطشًا شديدًا

قال تعالى

(وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين
وجنات وعيون)

وبرغم هذه النعم الكبيرة والخيرات الكثيرة التي أعطاهم الله إياها
الله تعالى عليها لم يشكروا الله تعالى
بل أشركوا معه غيره
فعبدوا الأصنام
وكانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان
وارتكبوا المعاصي والآثام وأفسدوا في الأرض
فأرسل الله لهم هود عليه السلام
ليهديهم إلى الطريق المستقيم وينهاهم عن ضلالهم
ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له
ويخبرهم بأن الله سبحانه هو المستحق للشكر
على ما وهبهم من قوة وغنى ونعم

فقال لهم

(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون)

فتساءلوا ومن أنت حتى تقول لنا مثل هذا الكلام؟
فقال عليه السلام

(إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون)

فرد عليه قومه بغلظة واستكبار

(إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين)

فقال لهم هودعليه السلام

(يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين
أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين)

فاستكبر قومه وأنكروا عبادة الله
فلم ييأس وواصل دعوة قومه إلى طريق الحق
فأخذ يذكرهم بنعم الله تعالى عليهم
لعلهم يتوبون إلى الله ويستغفرونه
فقال
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون
ثم قال
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه
يرسل السماء عليكم مدرارًا
ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين
ولم يجد فيهم إلا قلوبًا ميتة متحجرة متمسكة بغيها وضلالها وإصرارها
على عبادة الأصنام
إذ قابلوا نصحه وإرشاده لهم بالتطاول عليه والسخرية منه
فقال لهم
إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون
من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون
إني توكلت على الله ربي وربكم
ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها
إن ربي على صراط مستقيم
فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم
ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا
إن ربي على كل شيء حفيظ
فاستكبروا وتفاخروا بقوتهم
وقالوا لهود عليه السلام
من أشد منا قوة
وأخذوا يسخرون منه ويستعجلون العذاب والعقوبة
في سخرية واستهزاء
فقالوا
فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين
فقال هود عليه السلام
(قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب
أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم
ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين)
وبدأ عذاب الله لقوم عاد بأن أرسل عليهم حرًّا شديدًا
جفَّت معه الآبار والأنهار
وماتت معه الزروع والثمار
وانقطع المطر عنهم مدة طويلة
ثم جاء سحاب عظيم
فلما رأوه استبشروا به، وفرحوا، وظنوا أنه سيمطر ماءً
وقالوا (هذا عارض ممطرنا)
لقد ظنوا أن السحب ستأتي لهم بالخير
لتروي عطشهم وتسقي إبلهم وخيولهم
وزرعهم وبساتينهم
ولكنها كانت تحمل لهم العذاب والفناء
فجاءتهم ريح شديدة استمرت سبع ليالٍ وثمانية أيام
دائمة دون انقطاع تدمر كل شيء أمامها حتى أهلكتهم

قال تعالى

(ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين)

ونجَّى الله هودًا ومن آمنوا معه

قال تعالى

(فأنجيناه والذين آمنوا معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا
بآياتنا وما كانوا مؤمنين)

وسار هود عليه السلام
ومن معه من المؤمنين إلى مكان آخر يعبدون الله

البروفيسور
07-15-2013, 01:23 AM
هذه صور لإرم المكتشفة تحت كثبان الأحقاف




http://im34.gulfup.com/1u0Lq.jpg (http://www.gulfup.com/?x1Bixd)



http://im34.gulfup.com/7LR18.jpg (http://www.gulfup.com/?tt3yYA)


http://im34.gulfup.com/qaKUN.jpg (http://www.gulfup.com/?sY4z9P)


http://im34.gulfup.com/GTOxB.jpg (http://www.gulfup.com/?0PsbPA)

http://im34.gulfup.com/ZZbgH.jpg (http://www.gulfup.com/?zmm5JU)

http://im34.gulfup.com/1eUcj.jpg (http://www.gulfup.com/?44Pl8A)


http://im34.gulfup.com/9UZqI.jpg (http://www.gulfup.com/?WY4PrK)





نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


نتكلم عن أفضل القصص بتفاصيلها حصرياً لمنتديات سيدتي ...


فسبحان الله الخالق العظيم المنتقم من كل جبار مستكبر عن طاعته
مهما بلغ من قوة ومهما أوتي من حضارة
ومهما أعطي من مهلة
وحقاً لم يخلق مثلها في البلاد
فسبحان من أعطاهم هذه القوة

وبعد موت هود عليه السلام وسوس الشيطان للناس مره ثانيه
وارسل الله سبحانه وتعالى النبي صالح عليه السلام
وهذا ما سنتحدث عنه في المشاركه القادمه

البروفيسور
07-15-2013, 01:24 AM
تعد مدائن صالح من أقدم الآثار وأشهرها وأعظمها
ومدائن صالح تقع بالقرب من مدينة تبوك
في شمال المملكة العربية السعودية
وتشمل عدة كهوف ومقابر منحوتة في الجبال
لأقوام حكموا شعوب هذه المنطقة
كانت تعيش قبيلة مشهورة تسمى ثمود
يرجع أصلها إلى سام بن نوح عليه السلام
وكانت لهم حضارة عمرانية واضحة المعالم
فقد نحتوا الجبال واتخذوها بيوتًا، يسكنون فيها في الشتاء
لتحميهم من الأمطار والعواصف التي تأتي إليهم من حين لآخر
واتخذوا من السهول قصورًا يقيمون فيها في الصيف.
وأنعم الله عز وجل عليهم بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى
فأعطاهم الأرض الخصبة
والماء العذب الغزير...
والحدائق والنخيل...
والزروع والثمار...
ولكنهم قابلوا النعمة بالجحود والنكران، فكفروا بالله سبحانه
ولم يشكروه على نعمه وعبدوا الأصنام
فأرسل إليهم نبيًّا منهم هو صالح عليه السلام
وكان رجلاً كريمًا تقيًّا محبوبًا لديهم
وبدأ صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له
وترك ما هم فيه من عبادة الأصنام
فقال لهم
يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
فرفض قومه ذلك
وقالوا له يا صالح قد كنت بيننا رجلا فاضلاً كريمًا محبوبًا
نستشيرك في جميع أمورنا لعلمك وعقلك وصدقك
فماذا حدث لك؟
وقال رجل من القوم يا صالح ما الذي دعاك لأن تأمرنا
أن نترك ديننا الذي وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا
ونتبع دينًا جديدًا ؟
وقال آخر يا صالح قد خاب رجاؤنا فيك
وصِرْتَ في رأينا رجلا مختلَّ التفكير
كل هذه الاتهامات وجهت لنبي الله صالح عليه السلام
فلم يقابل إساءتهم له بإساءة مثلها
ولم ييأس من استهزائهم به وعدم استجابتهم له
بل ظل يتمسك بدين الله رغم كلامهم
ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد
ويذكِّرهم بما حدث للأمم التي قبلهم
وما حلَّ بهم من العذاب بسبب كفرهم وعنادهم
ثم أخذ صالح عليه السلام
يذكِّرهم بنعم الله عليهم
ثم أراد أن يبين لهم الطريق الصحيح لعبادة الله
وأنهم لو استغفروا الله وتابوا إليه فإن الله سيقبل توبتهم
فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض
واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه
إن ربي قريب مجيب
فآمنت به طائفة من الفقراء والمساكين
وكفرت طائفة الأغنياء واستكبروا وكذبوه
وقالوا أبشرًا منا واحدًا نتبعه إنا إذًا لفي ضلال وسعر
وحاولت الفئة الكافرة ذات يوم أن تصرف الذين آمنوا بصالح عليه السلام
عن دينهم وتجعلهم يشكون في رسالته
فقالوا لهم
(أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه)
أي: هل تأكدتم أنه رسول من عند الله؟
فأعلنت الفئة المؤمنة تمسكها بما أُنْزِلَ على صالح عليه السلام
وبما جاء به من ربه
وقالوا
(إنا بما أرسل به مؤمنون)
فأصرَّت الفئة الكافرة على ضلالها وقالوا معلنين كفرهم وضلالهم
(إنا بالذي آمنتم به كافرون)
وكان صالح عليه السلام
يخاطب قومه بأخلاق الداعي الكريمة وآدابه الرفيعة
ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة تارة
ويجادلهم تارة أخرى في موضع الجدال
مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق، والطريق المستقيم
ولكن قومه تمادوا في كفرهم
وأخذوا يدبرون له المكائد والحيل
حتى لا يؤمن به أكثر الناس، وذات يوم كان صالح عليه السلام
يدعوهم إلى عبادة الله
ويبين لهم نعم الله الكثيرة
وأنه يجب شكره وحمده عليها
فقالوا له
يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا
وإذا كنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية.
فسألهم صالح عليه السلام
عن المعجزة التي يريدونها، فأشاروا على صخرة بجوارهم
وقالوا له أخْرِجْ لنا من هذه الصخرة ناقة طويلة عُشَراء
وأخذوا يصفون الناقة المطلوبة ويعددون صفاتها
حتى يعجز صالح عليه السلام عن
تحقيق طلبهم
فقال لهم صالح عليه السلام
أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم أتؤمنون بي وتصدقونني
وتعبدون الله الذي خلقكم؟
فقالوا له
نعم وعاهدوه على ذلك
فقام صالح عليه السلام
ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا.
وبعد لحظات حدثت المعجزة، فخرجت الناقة العظيمة من الصخرة
التي أشاروا إليها، فكانت برهانًا ساطعًا
ودليلاً قويًّا على نبوة صالح عليه السلام
ولما رأى قوم صالح عليه السلام
هذه الناقة بمنظرها الهائل آمن بعض قومه
واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم
ثم أوحى الله إلى صالح عليه السلام
أن يأمر قومه بأن لا يتعرضوا للناقة بسوء
فقال لهم صالح عليه السلام
(هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم)
واستمر الحال على هذا وقتًا طويلاً، والناقة تشرب ماء البئر يومًا
ويشربون هم يومًا، وفي اليوم الذي تشرب ولا يشربون
كانوا يحلبونها فتعطيهم لبنًا يكفيهم جميعًا
لكن الشيطان أغواهم، فزين لهم طريق الشر
وتجاهلوا تحذير صالح عليه السلام
لهم فاتفقوا على قتل الناقة
وكان عدد الذين أجمعوا على قتل الناقة تسعة أفراد

قال تعالى
(وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)

ثم اتفقوا مع باقي القوم على تنفيذ مؤامرتهم
وقد تولى القيام بهذا الأمر أشقاهم وأكثرهم فسادًا
وقيل اسمه قدار بن سالف..
وفي الصباح، تجمع قوم صالح عليه السلام
في مكان فسيح ينتظرون مرور الناقة لتنفيذ مؤامرتهم
وبعد لحظات مرت الناقة العظيمة فتقدم أحدهم منها
وضربها بسهم حاد أصابها في ساقها
فوقعت على الأرض، فضربها قدار بن سالف بالسيف
حتى ماتت
وعلم صالح عليه السلام بما فعل قومه الذين أصروا
على السخرية منه والاستهزاء به
وأوحى الله إليه أن العذاب سوف ينزل بقومه بعد
ثلاثة أيام
فقال صالح عليه السلام لهم (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام)
ولكن القوم كذبوه واستمروا في سخريتهم منه والاستهزاء به
ولما دخل الليل اجتمعت الفئة الكافرة من قوم صالح عليه السلام
وأخذوا يتشاورون في قتل صالح عليه السلام
حتى يتخلصوا منه مثلما تخلصوا من الناقة
ولكن الله عز وجل
عَجَّلَ العذاب لهؤلاء المفسدين التسعة
فأرسل عليهم حجارة أصابتهم وأهلكتهم..
ومرت الأيام الثلاثة، وخرج الكافرون في صباح اليوم الثالث ينتظرون
ما سيحل عليهم من العذاب والنكال
وفي لحظات جاءتهم صيحة شديدة من السماء
وهزة عنيفة من أسفلهم، فزهقت أرواحهم، وأصبحوا في دارهم هالكين

قال تعالى
(فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)

وهكذا أهلك الله عز وجل
قوم صالح عليه السلام
بسبب كفرهم وعنادهم وقتلهم لناقة الله
والاستهزاء بنبيهم صالح عليه السلام
وعدم إيمانهم به، وبعد أن أهلك الله الكافرين من ثمود
وقف صالح عليه السلام ومن معه من المؤمنين ينظرون إليه
فقال صالح عليه السلام
(يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)
ولقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم
على ديار ثمود (المعروفة الآن بمدائن صالح)
وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة
فأمر أصحابه أن يمروا عليها خاشعين خائفين
كراهة أن يصيبهم ما أصاب أهلها
وأمرهم بعدم دخول القرية الظالمة وعدم الشرب من مائها
متفق عليه

يويا
07-15-2013, 06:41 AM
بارك الله فيك
يسلموووووو ع الطرح المميز
عاشت الايااااااااااااااااااادي
ربي يعطيك الف عافيه

البروفيسور
07-15-2013, 11:16 PM
بارك الله فيك
يسلموووووو ع الطرح المميز
عاشت الايااااااااااااااااااادي
ربي يعطيك الف عافيه
عطرتم المكان بروائح المسك
تحياتي لكي

البروفيسور
07-15-2013, 11:21 PM
هذه صور لمدائن صالح الاثريه

http://im38.gulfup.com/uBBgT.jpg (http://www.gulfup.com/?48ua3Y)

http://im38.gulfup.com/dtrMd.jpg (http://www.gulfup.com/?g50tm3)

http://im38.gulfup.com/Zh4VO.jpg (http://www.gulfup.com/?aPzYsZ)

http://im38.gulfup.com/bHKRC.jpg (http://www.gulfup.com/?v1zcwi)


http://im38.gulfup.com/jATFQ.jpg (http://www.gulfup.com/?W23uDN)


http://im38.gulfup.com/BBsHo.jpg (http://www.gulfup.com/?2gz2RS)


http://im38.gulfup.com/ERDzw.jpg (http://www.gulfup.com/?SJ3KQQ)


http://im38.gulfup.com/PZkbW.jpg (http://www.gulfup.com/?oG2gIy)


http://im38.gulfup.com/RxnX1.jpg (http://www.gulfup.com/?Q70dBW)


http://im38.gulfup.com/e7gqQ.jpg (http://www.gulfup.com/?c2aF29)








سوف نتحدث في المشاركه القادمة ان شاء الله
عن نبي من أولي العزم...
وهو ابراهيم عليه السلام جاء بعد صالح عليه السلام

اللهم لا تغضب علينا فأنت الغفور الرحيم
وأنت أرحم الراحمين وأنت الحليم الرحيم
اللهم ارفع عنا البلاء والزلازل والفتن
والمحن اللهم إنا نعوذ بك من عذابك وسخطك وغضبك
اللهــــــــم آمــــــــين
ــــــــــــــــــــــــــــــ

البروفيسور
07-15-2013, 11:22 PM
تختلف قصة نبي الله ابراهيم عليه السلام
عن قصص الأنبياء الآخرين ...
ابراهيم عليه السلام يلقب بأبي الأنبياء وشيخ الحنفاء
ذكر في كتاب الله في 73 موضعاً
جاء ابراهيم عليه السلام ليكمل أيضاً رسالة التوحيد
وقد لا قى من قومه الصد والإعراض والكيد
لدرجة ان ألقوه في النار لولا ان الله سبحانه
لو تأملنا في قصة أبي الأنبياء ابراهيم لوجدنا
انه كان أمة وحده كما وصفه الله تعالى
وإلا فكيف يبتلى كل هذه الابتلاءات ومع ذلك يصبر
ويصمد ويكون مثالاً لمن يأتي بعده
انظر الى أسلوبه وطول نفسه في الدعوة
عندما دخل وحطم أصنام قومه ثم واجههم بأسلوب التهكم
ولم يخش من بطشهم
ولا غضب أبيه آزر.
بل وانظر الى تأملاته في الكواكب
ثم انظر الى تعامله مع القدر حينما ابتلاه ربه
بذبح ولده الذي كان فرحاً بشبابه
لكن الله أمره بذبحه...
حيث قال لوالده يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني
ان شاء الله من الصابرين
لكن الله لم يرد من ابراهيم عليه السلام
إلا امتحان قلبه ففدى ولده بذبح عظيم
وانظر أيضاً الى مواجهته للنمرود
ثم انظر الى بنائه الكعبة
حيث شمر هو وابنه اسماعيل عن ساعد الجد
وهو يقول...
ربنا تقبل منا إنك انت السميع العليم
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة
لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك انت التواب الرحيم
وبالفعل صار حج البيت منذ ذلك اليوم الذي بنى الكعبة
بل ومكة بلداً آمناً فيه من كل الثمرات
رغم انها بلد غير ذي زرع
بدايه القصة ...
كان آزر يعيش في أرض بابل بالعراق
يصنع الأصنام ويبيعها للناس ليعبدوها
وكان له ولد صغير اسمه (إبراهيم)
وهبه الله الحكمة وآتاه الرشد منذ الصغر
وذات يوم دخل إبراهيم عليه السلام
على أبيه آزر فرآه يصنع التماثيل، فتعجب
من أمر هذه التماثيل...
وقال في نفسه لماذا يعبدها الناس وهي لا تسمع
ولا تنطق، ولا تضر ولا تنفع؟
وكيف تكون آلهة، والناس هم الذين يصنعونها ؟
وصارت هذه الأسئلة تراود الفتى الصغير دون إجابة
ولما كبر وشبَّ أخذ يفكر في هذا الأمر
ويبحث عن الإله الحق الذي يستحق العبادة
فذهب إلى الصحراء الواسعة وجلس ينظر إلى السماء
فرأى الكواكب والنجوم واستنكر أن تكون هي ربه الذي يبحث عنه
لأنها مخلوقة مثله تعبد خالقها
فتظهر بإذنه وتغيب بإذنه
وظل إبراهيم عليه السلام
في الصحراء ينظر إلى السماء يفكر ويتدبر
عسى أن يهتدي إلى ربه وخالقه
فهداه الله سبحانه إلى معرفته
وجعله نبيًّا مرسلاً إلى قومه
ليخرجهم من الظلمات إلى النور
ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله رب العالمين
وأنزل الله سبحانه على إبراهيم صحفًا فيها آداب ومواعظ وأحكام
لهداية قومه
وتعليمهم أصول دينهم، وتوصيتهم بوجوب طاعة الله
وإخلاص العبادة له وحده
والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق
وعاد إبراهيم عليه السلام إلى بيته، وقلبه مطمئن
ولما دخل البيت وجد أباه فتقدم منه
وأخذ ينصحه ويقول

( يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك
فاتبعني أهدك صراطًا سويًّا
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًّا
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن
فتكون للشيطان وليًّا)

فردَّ عليه أبوه غاضبًا وقال

(أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك)

(واهجرني مليًا)

لكن إبراهيم عليه السلام لم يقابل تلك القسوة بمثلها
بل صبر على جفاء أبيه وقابله بالبر والرحمة وقال له

(سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا )

(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله)
وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًّا)

وخرج إبراهيم عليه السلام من عند أبيه متوجهًا إلى المعبد
حتى يدعو قومه إلى عبادة الله
ولما دخل عليهم وجدهم عاكفين على أصنام كثيرة
يعبدونها ويتضرعون إليها
ويطلبون منها قضاء حوائجهم
فتقدم منهم وقال لهم

(ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)

فرد عليه القوم وقالوا

(وجدنا آباءنا لها عابدين)

فوضح لهم إبراهيم عليه السلام
أن عبادة هذه الأصنام ضلال وكفر
وأن الله سبحانه الذي خلق السماوات والأرض
هو المستحق للعبادة وحده فغضب قومه منه
واستكبروا وأصروا على كفرهم وعنادهم
فلمَّا وجد إبراهيم عليه السلام إصرارهم على عبادة الأصنام
خرج وهو يفكر في نفسه أن يحطم هذه الأصنام
وكان اليوم التالي يوم عيد
فأقام القوم احتفالا كبيرًا خارج المدينة
وذهب إليه جميع الناس
وخرج إبراهيم عليه السلام وحده إلى شوارع المدينة
فلم يجد فيها أحدًا
فانتهز هذه الفرصة وأحضر فأسًا
ثم ذهب إلى المعبد الذي فيه الأصنام دون أن يراه أحد
فوجد أصنامًا كثيرة
ورأى أمامها طعامًا كثيرًا
وضعه قومه قربانًا لها وتقربًا إليها
لكنها لم تأكل
فأقبل إليها إبراهيم عليه السلام وتقدم منها
ثم قال لها مستهزئًا
ألا تأكلون؟
وانتظر قليلا لعلهم يردون عليه
لكن دون جدوى
فعاد يسأل ويقول ما لكم لا تنطقون؟
ثم أخذ يكسر الأصنام واحدًا تلو الآخر
حتى صارت كلها حطامًا إلا صنمًا كبيرًا تركه إبراهيم ولم يحطمه
وعلق في رقبته الفأس
ثم خرج من المعبد
ولما عاد القوم من الاحتفال مرُّوا على المعبد
ودخلوا فيه ليشكروا الآلهة على عيدهم
وفوجئوا بأصنامهم محطمة ما عدا صنمًا واحدًا في رأسه فأس معلق

البروفيسور
07-15-2013, 11:22 PM
فتساءل القوم
من فعل هذا بآلهتنا؟
فقال بعض القوم سمعنا فتى بالأمس اسمه إبراهيم
كان يسخر منها ويتوعدها بالكيد والتحطيم
وأجمعوا أمرهم على أن يحضروا إبراهيم ويسألوه
ويحققوا معه فيما حدث
وفي لحظات ذهب بعض القوم وأتوا بإبراهيم
إلى المعبد، ولما وقف أمامهم
سألوه: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟
فرد إبراهيم عليه السلام بل فعله كبيرهم هذا
ثم أشار بإصبعه إلى الصنم الكبير المعلق في رقبته الفأس
ثم قال: فسألوهم إن كانوا ينطقون
فرد عليه بعض الناس
وقالوا له: يا إبراهيم أنت تعلم أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تسمع
فكيف تأمرنا بسؤالها؟
فانتهز إبراهيم عليه السلام هذه الفرصة
وقال لهم

(أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم )
(أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)

فسكتوا جميعًا ولم يتكلموا، ونكسوا رءوسهم من الخجل والخزي
ومع ذلك أرادوا الانتقام منه
لأنه حطم أصنامهم، وأهان آلهتهم
فقال نفر من الناس
ما جزاء إبراهيم
وما عقابه الذي يستحقه؟

فقالوا
(حرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين)

ثم ذهب جنود المعبد بإبراهيم إلى الصحراء
وجمعوا الحطب والخشب من كل مكان
وأشعلوا نارًا عظيمة، وجاءوا بآلة اسمها المنجنيق
ليقذفوا إبراهيم عليه السلام منها في النار
ولما جاء موعد تنفيذ الحكم على إبراهيم عليه السلام
اجتمع الناس من كل مكان ليشهدوا تعذيبه
وتصاعد من النار لهب شديد، فوقف الناس بعيدًا يشاهدون النار
ومع ذلك لم يستطيعوا تحمل حرارته
وجاءوا بإبراهيم مقيدًا بالحبال ووضعوه في المنجنيق
ثم قذفوه في النار
فوقع في وسطها
فقال إبراهيم عليه السلام
حسبي اللَّه ونعم الوكيل

فأمر الله النار ألا تحرق إبراهيم عليه السلام
ولا تؤذيه قال تعالى (قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم)

فأصبحت النار بردًا وسلامًا عليه، ولم تحرق منه شيئًا سوي القيود
التي قيدوه بها، وظلت النار مشتعلة عدة أيام
وبعد أن انطفأت خرج منها إبراهيم عليه السلام سالـمًا لم تؤذه
وتحدث الناس عن تلك المعجزة
وعن نجاة إبراهيم عليه السلام من النار

وأراد النمرود ملك البلاد أن يناقش إبراهيم في أمر دعوته
فلما حضر إبراهيم عليه السلام أمام الملك سأله
من ربك؟ فقال إبراهيم عليه السلام مجيبًا
(ربي الذي يحيي ويميت)
فقال الملك
(أنا أحيي وأميت)
وأمر الملك الجنود أن يحضروا رجلين من المسجونين
ثم أمر بقتل رجل وترك الآخر
ثم نظر إلى إبراهيم عليه السلام
وقال له: ها أنا ذا أحي وأميت، قتلت رجلا، وتركت آخر!!
فلم يرد إبراهيم عليه السلام على غباء هذا الرجل
ولم يستمر في جداله في هذا الأمر
بل سأله سؤالاً آخر أعجزه ولم يستطع معه جدالاً

قال له إبراهيم عليه السلام
(فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب)

فبهت النمرود، وسكت عن الكلام اعترافًا بعجزه
وقرر إبراهيم عليه السلام الهجرة من هذه المدينة
لأنه لم يؤمن به سوى زوجته سارة وابن أخيه لوط عليه السلام
وهاجر إبراهيم عليه السلام ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط
وأخذ ينتقل من مكان إلى مكان آخر
حتى استقر به الحال في فلسطين
فظل بها فترة يعبد الله ويدعو الناس إلى عبادة الله
وإلى طريقه المستقيم.
ومرت السنون، ونزل قحط بالبلاد، فاضطر إبراهيم عليه السلام
إلى الهجرة بمن معه إلى مصر
وكان يحكم مصر آنذاك ملك جبار يحب النساء
وكان له أعوان يساعدونه على ذلك
فيقفون على أطراف البلاد
ليخبروه بالجميلات اللاتي يأتين إلى مصر
فلما رأوا سارة
وكانت بارعة الجمال، أبلغوا عنها الملك وأخبروه أن معها رجلاً
فأصدر الملك أوامره بإحضار الرجل
وفي لحظات جاء الجنود بإبراهيم عليه السلام
إلى الملك، ولما رآه سأله عن المرأة التي معه
فقال إبراهيم: إنها أختي. فقال الملك: ائتني بها.
فذهب إبراهيم إلى سارة
وأبلغها بما حدث بينه وبين الملك
وبما ذكره له بأنها أخته
فذهبت سارة إلى القصر، ولما رآها الملك انبهر من جمالها
وقام إليها، فقالت له
أريد أن أتوضأ وأصلي، فأذن لها، فتوضأت سارة وصلَّت

ثم قالت

(اللهمَ إن كنت تعلم أني آمنتُ بك وبرسولك وأحصنت فرجي
إلا على زوجي فلا تسلط على هذا الكافر)
فاستجاب الله لها، وعصمها وحفظها
فكلما أراد الملك أن يمسك بها قبضت يده
فسألها أن تدعو الله أن تُبسَـط يده
ولن يمسها بسوء
وتكرر هذا الأمر ثلاث مرات.
فلما علم أنه لن يقدر عليها نادى بعض خدمه
وقال لهم: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان
ثم أمر الخدم أن يعطوها هاجر، لتكون خادمة لها.
فعادت سارة إلى زوجها دون أن يمسها الملك
فوجدته قائمًا يصلي فلما انتهى نظر إليها، وسألها عما حدث؟
فقالت: إن الله ردَّ كيده عني وأعطاني جارية تسمى هاجر
لتخدمني، وبعد فترة رجع إبراهيم إلى فلسطين مرة أخرى
وأثناء الطريق استأذنه ابن أخيه لوط في الذهاب
إلى قرية سدوم ليدعو أهلها إلى عبادة الله
فأعطاه إبراهيم عليه السلام بعض الأنعام والأموال
وواصل هو وأهله السير إلى فلسطين
حتى وصلوا إليها واستقروا بها
وظل إبراهيم عليه السلام في فلسطين فترة طويلة.
وأحب الله إبراهيم عليه السلام واتخذه خليلاً من بين خلقه

قال تعالى
(واتخذ الله إبراهيم خليلا)
وذات يوم، أراد إبراهيم عليه السلام
أن يرى كيف يحيي الله الموتى، فخرج إلى الصحراء يناجي ربه
ويطلب منه أن يريه ذلك

قال تعالى
(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن
قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير
فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا
ثم ادعهن يأتينك سعيًّا واعلم أن الله عزيز حكيم)

ففعل إبراهيم عليه السلام ما أمره ربه
وذبح أربعة من الطيور ووضع أجزاءها على الجبال
ثم عاد إلى مكانه مرة أخرى، ووقف متجهًا ناحية الجبال
ثم نادى عليهن، فإذا بالحياة تعود لهذه الطيور
وتجيء إلى إبراهيم عليه السلام بإذن ربها
وكانت سارة زوجة إبراهيم عقيمًا لا تلد
وكانت تعلم رغبة إبراهيم وتشوقه لذرية طيبة
فوهبت له خادمتها هاجر ليتزوجها، لعل الله أن يرزقه منها ذرية
صالحة، فتزوج إبراهيم عليه السلام هاجر، فأنجبت له إسماعيل
فسعد به إبراهيم عليه السلام سعادة كبيرة
لأنه جاء له بعد شوق شديد وانتظار طويل.
وأمر الله عز وجل إبراهيم عليه السلام
أن يأخذ زوجته هاجر وولدها إسماعيل ويهاجر بهما إلى مكة
فأخذهما إلى هناك

وتوجه إلى الله داعيًا

(ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس
تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)

البروفيسور
07-15-2013, 11:23 PM
ثم تركهما إبراهيم عليه السلام
وعاد إلى زوجته سارة، وذات يوم جاءت إليه ملائكة الله
في صورة بشر فقام إبراهيم عليه السلام سريعًا فذبح لهم عجلاً سمينًا وشواه ثم وضعه أمامهم ليأكلوا فوجدهم لا يأكلون
لأن الملائكة لا تأكل ولا تشرب
وهنا أخبرت الملائكة إبراهيم عليه السلام
بأنهم ليسوا بشرًا، وإنما هم ملائكة جاءوا ليوقعوا العذاب على قرية سدوم لأنهم لم يتبعوا نبيهم لوطًا
وبشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام
بولده إسحاق من سارة
وكانت عجوزًا، فتعجبت حينما سمعت الخبر
فهي امرأة عجوز عقيم وزوجها رجل شيخ كبير
فأخبرتها الملائكة أن هذا هو أمر الله

قوله تعالى
(وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق
و من وراء إسحق يعقوب)

وذات مرة رأى إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ابنه في المنام
فأخبر ابنه إسماعيل بذلك
وكان هذا امتحان من الله لإبراهيم وإسماعيل عليهم السلام
فاستجاب إسماعيل عليه السلام لرؤيا أبيه طاعة لله
واستعد كل منهما لتنفيذ أمر الله
ووضع إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل على وجهه
وأمسك بالسكين ليذبحه، فكان الفرج من الله
فقد نزل جبريل عليه السلام
بكبش فداء لإسماعيل فكانت سنة الذبح والنحر في العيد
وصدق الله إذ يقول

(وفديناه بذبح عظيم)

وكان نبي الله إبراهيم عليه السلام
يسافر إلى مكة من حين لآخر ليطمئن على هاجر
وابنها إسماعيل عليه السلام
وفي إحدى الزيارات، طلب إبراهيم عليه السلام
من ابنه أن يساعده في رفع قواعد البيت الحرام الذي أمره ربه ببنائه فوافق وأخذا ينقلان الحجارة اللازمة لذلك حتى انتهيا من البناء
وعندها أخذا يدعوان ربهما أن يتقبل منهما
فقال
(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك
وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)

فاستجاب الله لإبراهيم وإسماعيل عليهم السلام
وبارك في الكعبة، وجعلها قبلة للمسلمين جميعًا في كل زمان ومكان.
قد كان لإبراهيم عليه السلام رسالة ودين قويم وشريعة سمحة
أمرنا الله باتباعها

قال تعالى
(قل صدقوا الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)

أي اتبعوا الدين الحنيف القويم الثابت الذي لا يتغير
ومرض إبراهيم عليه السلام ثم مات
بعد أن أدى رسالة الله وبلغ ما عليه
وفي رحلة الإسراء والمعراج
قابل النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله إبراهيم عليه السلام
في السماء السابعة بجوار البيت المعمور
الذي يدخله كل يوم سبعون ألف من الملائكة يتعبدون فيه
ويطوفون، ثم يخرجون ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وهو أول من يكْسى يوم القيامة
قال النبي صلى الله عليه وسلم
(وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم)
[متفق عليه]
فالناس يحشرون يوم القيامة عراة، فيكسى إبراهيم عليه السلام تكريمًا له ثم الأنبياء، ثم الخلائق
وقد مدح الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم وأثنى عليه

قال تعالى
(إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين
شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين
ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)

وقد فضل الله إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة
فجعل النبوة فيه وفي ذريته إلى يوم القيامة
قال تعالى
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)

وإبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل
ووصى الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
أن يسير على ملته

قال تعالى
(قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا
وما كان من المشركين)

وقال
(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)

ومدح الله إبراهيم عليه السلام
بالوفاء والقيام بما عهد إليه

قال تعالى
(إبراهيم الذي وفى)

ولأنه أفضل الأنبياء والرسل بعد محمد صلى الله عليه وسلم
أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم
أن نصلي عليه في صلاتنا في التشهد أثناء الصلاة

البروفيسور
07-15-2013, 11:24 PM
نكمل معكم نحن نعرف ان ابراهيم عليه السلام
ترك زوجته هى ووليدها..
ثم مضى فى طريق عودته، وترك لهم تمرًا وماءً
حيث لا زرع ولا ماء.. ولا أنيس ولا رفيق..
فنادته زوجته وهى تقول يا إبراهيم
أين تذهب وتتركنا فى هذا الوادي
الذى ليس فيه أنيس ولا شيء؟
فلم يلتفت إليها الزوج
وكأنه على يقين من وعد الله
الذى لا يتخلف ولا يخيب
فقالت الزوجة وكأنها أدركت أن أمرًا ما
يمنع زوجها من الرد عليها
الله أمرك بهذا؟
فيرد الزوج نعم
فتقول الزوجة التى آمنت بربها
وعرفت معنى اليقين بصِدْقِ وَعْدِ الله
وفهمت كيف تكون معينة لزوجها على طاعة ربها
تقول فى غير تردد ولا قلق
إذن لا يضيعنا
وانصرف إبراهيم عليه السلام
وهو يدعو ربه ويقول
ونفد الماء والزاد
والأم لا تجد ما تروى به ظمأ طفلها
وقد جفّ لبنها فلا تجد ما ترضعه
فيتلوى الطفل جوعًا وعطشًا
ويصرخ، ويتردد فى الصحراء والجبال
صراخه الذى يدمى قلب الأم الحنون
وتسرع الأم وتصعد على جبل الصفا
لتنظر أحدًا ينقذها هى وطفلها من الهلاك
أو تجد بعض الطعام أو الشراب
ولكنها لا تجد فتنزل مسرعة وتصعد جبل المروة
وتفعل ذلك سبع مرات حتى تمكن منها التعب وأوشك اليأس
أن يسيطر عليها
فيبعث الله جبريل عليه السلام
فيضرب الأرض بجناحه
لِتَخْرُجَ عينُ ماءٍ بجانب الصغير
فتهرول الأم نحوها وقلبها ينطلق بحمد الله
على نعمته، وجعلت تغرف من مائها
وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها
وتقول لعين الماء
زُمّى زُمّي
فسميت هذه العين زمزم
يقول النبى
(يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا)

إنها هاجر، أم إسماعيل، وزوجة إبراهيم خليل الله رضى الله عنها

ومرت الأيام بطيئة ثقيلة، حتى نزل على هاجر وابنها إسماعيل
بعض أناس من قبيلة
"جُرْهُم"
وأرادوا البقاء فى هذا المكان
لما رأوا عندها الماء
فسمحت لهم بالسكن بجانبها
ومشاركتها فى الشرب من ماء زمزم
واستأنست بهم
وشب الطفل الرضيع بينهم
وتعلم اللغة العربية منهم
ولما كبر تزوج امرأة منهم.
هذه هى هاجر أم الذبيح
رحلت عنا بعدما تركت لنا مثالا رائعًا للزوجة المطيعة
والأم الحانية
والمؤمنة القوية
فقد أخلصت النية للَّه تعالي
فرعاها فى وحشتها
وأمَّنها فى غيبة زوجها
ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب
وقد جعل الله سبحانه
ما فعلته السيدة هاجر رضى الله عنها
من الصعود والسعى بين الصفا والمروة
من أعمال الحج
توفيت وعندها من العمر 127 سنة
ودفنها إسماعيل عليه السلام
بمكه بجانب بيت الله الحرام
ـــــــــــــــ
اسحق عليه السلام
هو ولد سيدنا إبراهيم من زوجته سارة
وقد كانت البشارة بمولده من الملائكة
لإبراهيم عليه السلام
ذكره الله في القرآن بأنه
"غلام عليم"
جعله الله نبيا يهدي الناس إلى فعل الخيرات
جاء من نسله سيدنا يعقوب عليه السلام
لم يذكر القرآن الكريم غير ومضات سريعة
عن قصة إسحاق عليه السلام ..
كان ميلاده حدثا خارقا، بشرت به الملائكة
وورد في البشرى اسم ابنه يعقوب عليه السلام..
وقد جاء ميلاده بعد سنوات من ولادة أخيه إسماعيل عليه السلام..
ولقد قر قلب سارة بمولد إسحق ومولد ابنه يعقوب عليهما الصلاة والسلام..
غير أننا لا نعرف كيف كانت حياة إسحاق عليه السلام
ولا نعرف بماذا أجابه قومه..
كل ما نعرفه أن الله أثنى عليه كنبي من الصالحين

قال تعالى
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة
وكلا جعلنا صالحين
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة
وكانوا لنا عابدين)

مات اسحق عليه السلام عند عمر حوالي 175سنه

البروفيسور
07-15-2013, 11:24 PM
فضائل سيدنا إبراهيم عليه السلام
خلق الله الخلقَ واصطفى من شاء منهم لولايته
فاصطفى منهم أنبياءه
واصطفى من أنبيائه رسله وأعدهم لمهمة عظيمة
خصهم بخصائص دون سواهم تكريماً وتشريفاً
وأمدهم بالبراهين والآيات الدالة على صدقهم
وفضّل بعضهم على بعض كما أخبر جل جلاله
في القرآن الكريم حيث قال

"تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ"
وقال "وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ"
وخيرهم أولو العزم من الرسل
وخيرهم الخليلان إبراهيم
ومحمد صلى الله عليهما وسلم
قال تعالى "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ
وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ"
والأمة هو الذي يؤم بالخير
وقال "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
وقال "قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
وقال على لسان يوسف عليه السلام
"وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ
مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا
وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ"
فلم يكن في زمانه على ظهر الأرض
موحد سواه هو زوجه سارة
خليل الرحمن
قال تعالى "وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً"
وقال النبي صلى الله عليه وسلم
"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل
فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا
ولو كنت متخذا من أمتي خليلا
لاتخذت أبا بكر خليلا"
والخلة هي أعلى درجات المحبة
ولم يحظ بها سوى إبراهيم
ومحمد صلى الله عليهما وسلم
هو أحد أولي العزم من الرسل الذين أمر نبينا
صلى الله عليه وسلم بالصبر كما صبروا
وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم
قال جل وعلا
"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ"
وهم أهل العزيمة والصبر من أنبياء الله
فنالوا أعلى المراتب وأسمى الدرجات
وعدتهم خمسة
نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى
ومحمد عليهم الصلاة والسلام
اختصه الله بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب
قال تبارك وتعالى
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا
فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ"
وإبراهيم من ذرية نوح عليهما السلام
وقال "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ
فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ"
وقال سبحانه
"وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا
وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ
وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ
كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً
وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ"

الكريم ابن الكريم ابن الكريم
ابن الكريم كما
قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم

سيدنا يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام
اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد النبى الامى
وعلى ال واصحانه اجمعين
تم بحمد الله

توفى سيدنا ابراهيم عليه السلام
وعمره 175 سنه ابو الانبياء
وكل الانبياء من ذريته
سوف نتحدث في المشاركه القادمه عن قصة لوط عليه السلام
التي حدثت في حياة ابراهيم عليه السلام

البروفيسور
07-15-2013, 11:28 PM
لوط عليه السلام بن هاران بن تارخ
ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل
وكان لوط عليه السلام قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام
بأمره له وإذنه
فنزل بمدينة سدوم
كان أهل سدوم قوماً بخلاء
يستثقلون الضيف ويسعون للتخلص منه بشتى الوسائل
وكانوا يسمَّون
"أهل المؤتفكة"
لأنّهم كانوا أهل إفكٍ ولهوٍ ولغوٍ ودجلٍ وباطلٍ وفساد
لايستحيون من فعل القبيح
يأتون المنكرات بمحضر النساء والبنات
كما وصفهم الله تعالى حيث وجّه الخطاب إليهم
على لسان نبيِّه لوط عليه السلام
(وتأتون في ناديكم المنكر)
رأى لوط عليه السلام عمل أهل تلك البلاد فساءه ذلك منهم
وحاول عليه السلام إصلاح حالهم
فدعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد
ونهاهم عن الفواحش والمحرمات والمنكرات
وقد قصَّ القرآن الكريم قصّة تلك الدعوة

قال تعالى

(ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها من أحد من العالمين
إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء
بل أنتم قوم مسرفون )

أما أهل سدوم فكانت ردة فعلهم على هذه الدعوة معاكسة
واخذوا ينهون لوط عليه السلام عن استقبال الضيوف
ويهددونه بالإخراج من بلادهم إن هو أصر على دعوته لهم
وما زادتهم دعوته إلاّ إصراراً على منكرهم واستمروا في كفرهم وفجورهم
كما حكى ذلك القرآن الكريم

(وماكان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم
إنهم أناس يتطهرون)

واستمر لوط عليه السلام في نصحة وإرشاده
فما كان منهم إلا أن اشترطوا عليه ألاَّ يضيف أحداً من الناس
وإلا طردوه من ديارهم
ولكنه عليه السلام راح يكرر دعوته لهم
رغم مضايقاتهم له
محاولاً ردعهم عن ارتكاب المحرمات والفواحش
ولكن برفقٍ ولينٍ هذه المرَّة قائلاً لهم

(أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم
بل أنتم قوم عادون)

ولكن الشيطان كان قد استحوذ عليهم وطمس
على قلوبهم وأبصارهم وعقولهم
ولم يؤمن به غير بعض من آل بيته
أما امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط عليه السلام
دعا الله أن ينجيهم ويهلك المفسدين
فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به
وأهلكوا الآخرين بحجارة مسومة
دعى لوط عليه السلام قومه إلى عبادة الله
وحده لا شريك له ونهاهم عن كسب السيئات والفواحش
واصطدمت دعوته بقلوب قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر
وحكموا على لوط عليه السلام
وأهله بالطرد من القرية...
فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط عليه السلام
يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة
كانوا يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويتواصون بالإثم
ولا يتناهون عن منكر
وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة
لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء
لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط عليه السلام
فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء
وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد..
كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه..
ولقد كانت تصرفات قوم لوط عليه السلام
تحزن قلب لوط عليه السلام
كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم..
وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف
لم ينقذه من أيديهم أحد..
وكانوا يقولون للوط عليه السلام
استضف أنت النساء ودع لنا الرجال
وجاهدهم لوط عليه السلام
جهادا عظيما وأقام عليهم حجته
ومرت الأيام والشهور والسنوات
وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء
برسالة لوط عليه السلام
فكانوا يقولون
(ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)
فيئس لوط عليه السلام منهم
ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين
خرج الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام
قاصدين قرية لوط عليه السلام
بلغوا أسوار سدوم..
وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر..
رفعت وجهها فشاهدتهم..
فسألها أحد الملائكة
هل من منزل؟

قالت

(وهي تذكر قومها)

مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي وآتيكم..
أسرعت نحو أبيها فأخبرته
فهرع لوط عليه السلام يجري نحو الغرباء.
فلم يكد يراهم حتى

(سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)

سألهم من أين جاءوا؟
وما هي وجهتهم؟
فصمتوا عن إجابته
وسألوه أن يضيفهم
استحى منهم وسار أمامهم قليلا ثم توقف
والتفت إليهم يقول
لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد
قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية
غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه
وعاد يسير معهم حدثهم أنهم خبثاء..
أنهم يخزون ضيوفهم..
حدثهم أنهم يفسدون في الأرض
وكان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق
بين أمرين..
صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم
وبغير إخلال بكرم الضيافة..
سقط الليل على المدينة..
صحب لوط عليه السلام ضيوفه إلى بيته..
لم يرهم من أهل المدينة أحد..
لم تكد زوجته تشهد الضيوف
حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره
أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر وانتشر الخبر
وجاء قوم لوط عليه السلام
له مسرعين..
وقف القوم على باب البيت..
خرج إليهم لوط عليه السلام
وبدأ بوعظهم

(هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)

قال لهم
أمامكم النساء زوجاتكم هن أطهر..

(فَاتَّقُواْ اللّهَ)

يلمس نفوسهم من جانب التقوى
اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى..
ويغضب ويعاقب

(وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)

(أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)

أليس فيكم رجل عاقل؟
إن ما تريدونه لو تحقق هو عين الجنون
أحس لوط عليه السلام بضعفه
كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين..
فدهش لوط عليه السلام من هدوئهم..
وازدادت ضربات القوم على الباب..
وصرخ لوط عليه السلام في لحظة يأس

(قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)

تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه..
وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه
ويأوي إليه..
غاب عن لوط عليه السلام في شدته وكربته
أنه يأوي إلى ركن شديد..
ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه..
عندما بلغ الضيق ذروته..
تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة..
أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد..
فقالوا له لا تجزع يا لوط
ولا تخف نحن ملائكة
ولن يصل إليك هؤلاء القوم
ثم نهض جبريل عليه السلام
وأشار بيده إشارة سريعة ففقد القوم أبصارهم
التفتت الملائكة إلى لوط عليه السلام
وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل و يخرج..
سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال..
لا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه
ما يصيب القوم أي عذاب هذا
أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين..
امرأته كافرة مثلهم
سأل لوط عليه السلام الملائكة
أينزل الله العذاب بهم الآن أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح

(أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)

خرج لوط عليه السلام مع بناته ..
ساروا في الليل واقترب الصبح
كان لوط عليه السلام قد ابتعد مع أهله..
ثم جاء أمر الله تعالى
كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم..
حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا
ومعلمة بأسمائهم ومقدرة عليهم استمر الجحيم يمطرهم
وانتهى قوم لوط عليه السلام تماما
لم يعد هناك أحد
نكست المدن على رؤوسها
وغارت في الأرض
حتى انفجر الماء من الأرض..
هلك قوم لوط ومحيت مدنهم
انطوت صفحة قوم لوط..
انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض..
وطويت صفحة من صفحات الفساد..
وتوجه لوط عليه السلام
إلى إبراهيم عليه السلام
وقص عليه نبأ قومه
وأدهشه أن إبراهيم عليه السلام كان يعلم..
ومضى لوط عليه السلام
في دعوته إلى الله..
مثلما مضى إبراهيم عليه السلام في دعوته إلى الله..
مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.

البروفيسور
07-15-2013, 11:36 PM
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه
وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
اللهم ثبتنا على ديننا و اسلامنا
و اكفنا شر الفتن ماظهر منها ومابطن ...
سوف نتحدث في المشاركه القادمه
عن النبي يوسف عليه السلام

البروفيسور
07-15-2013, 11:43 PM
لنمضي الآن بقصة
يوسف عليه السلام
تَحقّقت بِشارةُ الملائكةِ
فقد رَزَقَ الله إسحاق صبيّاً هو يعقوب عليهم السلام
أصبَحَ يعقوبُ عليه السلام نبيّاً
فحَملَ الأمانةَ ونَهضَ بحملِ الرسالة.
وتَزوّجَ سيدُنا يعقوبُ عليه السلام
فرَزقَه الله عشرةَ بنَين
ثمّ تزوّجَ سيّدُنا يعقوب من راحيلَ ابنةِ خالهِ
فوُلِد يوسفُ ثم شَقيقُه بَنامِين.
وهكذا أصبحَ لسيّدِنا يعقوبَ اثنا عَشرَ ولداً..
طفوله يوسف
كان يوسف عليه السلام أثيراً عند أبيه من بين إخوته
وقد رأى يوسف عليه السلام
وهو غلام صغير رؤيا قصها على أبيه
فقال له أبوه (لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ)
وذلك خشية عليه من حسدهم
وخلاصة الرؤيا
أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له
فعرف يعقوب عليه السلام أنها تتضمن مجداً ليوسف
يجعل إخوته وأبويه يخضعون لسلطانه
وحذره أن يحكيها لأخوته.
فلقد أدرك يعقوب عليه السلام
بحدسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام.
لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه على إخوته
خشية أن يستشعورا ما وراءها لأخيهم الصغير غير الشقيق
فتمتلئ نفوسهم بالحقد
استجاب لتحذير أبيه.. لم يحدث أخوته بما رأى
حسده إخوته على ولوع أبيهم به وإيثاره عليهم
فدبروا له مكيدة إلقائه في الجب
فمرت قافلة فأرسلت واردها إلى البئر فأدلى دلوه
فتعلق يوسف به
اجتمع أخوة يوسف عليه السلام يتحدثون في أمره

(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع
فأبونا مخطئ في تفضيل هذين الصبيين
المقصود هنا يوسف عليه السلام واخيه بنيامين
على مجموعة من الرجال النافعين!
فاقترح أحدهم حلا للموضوع

(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا)

حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم
ومن ثم يتوبون عن جريمتهم

(وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)

قال قائل منهم
ما الداعي لقتله؟
إن كنتم تريدون الخلاص منه
فلنلقه في بئر تمر عليها القوافل ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا..
سيختفي عن وجه أبيه ويتحقق غرضنا من إبعاده
توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح
ليوسف بمرافقتهم.
دار الحوار بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب
وإثارة للمشاعر..
مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ..؟
وأنت تخاف ولا تستأمننا عليه
ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟
لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟

(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ
أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)

فنفذوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله..
نحن عشرة من الرجال..
فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟
نكون خاسرين غير أهل للرجولة
لو وقع ذلك..
لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه
وافق الأب تحت ضغط أبنائه..
ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته
خرج الأخوة ومعهم يوسف عليه السلام وأخذوه للصحراء.
اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل
وحملوه وهموا بإلقائه في البئر..
عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة
أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون
فجاء ذئب على غفلة
وأكل يوسف عليه السلام
لقد ألهاهم الحقد عن سبك الكذبة
جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به
في غير إتقان ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف..
جاءوا بالقميص كما هو ولكن ملطخا بالدم..
وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم
حين قالوا...

(وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)

أي وما أنت بمطمئن لما نقوله ولو كان هو الصدق
لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله
أدرك يعقوب عليه السلام
من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة أنه لم يأكله الذئب
وأنهم دبروا له مكيدة ما....

(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)

أثناء وجود يوسف عليه السلام بالبئر مرت قافلة في طريقها إلى مصر..
سارت طويلا حتى سميت سيارة..
وأرسلوا أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه..
تعلق يوسف عليه السلام به..
ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء فسحبه..
ففرح بما رأى.. رأى غلاما متعلقا بالدلو..
فرح به من وجده في البداية
ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته
وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا..
وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر..
ولم يكد يصل إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد
دراهم معدودة.
ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية
انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي الكريم

البروفيسور
07-15-2013, 11:45 PM
ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ)

ينفذ تدبيره رغم تدبير الآخرين.
ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده ويتحقق وعد الله
وقد وعد الله ليوسف عليه السلام بالنبوه
وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه..
وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي مثواه
عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.
وليس هذا السيد رجلا هين الشأن..
إنما هو رجل مهم..
رجل من الطبقة الحاكمة في مصر..
أنه وزير من وزراء الملك.
وزير سماه القرآن
'العزيز'
وهكذا مكن الله ليوسف عليه السلام في الأرض..
سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم.
وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث والرؤى..
وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما.

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)

تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف
ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه
فيقول

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

كان يوسف عليه السلام أجمل رجل في عصره..
وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان على وجهه
مزيدا من الجمال.
وأوتي صحة الحكم على الأمور..
وأوتي علما بالحياة وأحوالها.
وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع إليه
وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال
يوسف عليه السلام إليه..
تبدأ محنة يوسف الثانية
وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى.
يذكر الله تعالى هذه المحنة في كتابه الكريم

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ
كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)


أغلقت الأبواب ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه
ما يهمنا هنا هو موقف يوسف عليه السلام
من هذا الإغواء
يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا

(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)

أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة
من أكرمني بأن نجاني من الجب
وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن.
ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله
يوسف عليه السلام
اراد الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر
لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه
فأمسكت قميصه من الخلف
فتمزق في يدها وهنا فتح الباب زوجها العزيز.
وهنا تقول متهمة يوسف عليه السلام
قَالَتْ
مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
بعد هذا الاتهام الباطل
جهر يوسف عليه السلام بالحقيقة ليدافع عن نفسه
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي

(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ
وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ
وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ
قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)

لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية
أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة ليأخذ برأيه..
كما أشارت بعض الروايات
أن هذا الشاهد رجل كبير
بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع. كل هذا جائز.
وهو لا يغير من الأمر شيئا.
ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر للقميص
فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له
وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة
وهو كاذب.
وإن كان قميصه ممزقا من الخلف
فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها
هي له حتى الباب
فهي كاذبة وهو صادق

فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ

فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى قميص
يوسف عليه السلام ممزق من الخلف
لكن الدم لم يثر في عروقه ولم يغضب
نسب الزوج ما فعلته إلى كيد النساء
وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم.
بعدها التفت الزوج إلى يوسف عليه السلام قائلا له

(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا)

أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به.
هذا هو المهم..
المحافظة على الظواهر..
لكن الفتنة لم تنته..
فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها..
كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع.
بدأ الموضوع ينتشر..
خرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية يومها..
ووجدت فيه نساء هذه الطبقة مادة شهية للحديث.
وزاد حديث المدينة

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا
عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت..
حتى وصل لامرأة العزيز.


(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا
وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ )

( قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ
فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)

عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها
قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر.
وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات.
واختارت ألوان الطعام والشراب
وأمرت أن توضع السكاكين الحادة إلى جوار الطعام المقدم.
ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها.
وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة
فاجأتهن بيوسف عليه السلام

وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا

(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ)

بهتن لطلعته ودهشن

(وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)

وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة

(وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ)

وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا
عن الدهشة بصنع الله..

(مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)

ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها
فقالت فراودته عن نفسه لكنه استعصم
وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه
واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه..
كل منهن أرادته لنفسها..
ويدلنا على ذلك أمران.
الدليل الأول هو قول

(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)

فلم يقل

(ما تدعوني إليه)

والأمر الآخر هو سؤال الملك لهم فيما بعد
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ )

أمام هذه الدعوات سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات
استنجد بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)

واستجاب له الله..
وصرف عنه كيد النسوة وهكذا اجتاز يوسف بلطف الله ورعايته
فهو الذي سمع الكيد ويسمع الدعاء
ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء.
ما انتهت المحنة الثانية إلا لتبدأ الثالثة..
لكن هذه الثالثة هي آخر محن الشدة.
ربما كان دخوله للسجن
بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها
فلم يجد أصحاب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة
سوى سجن هذا الفتى
الذي دلت كل الآيات على برائته
قال تعالى في سورة

(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)

كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه
انتهز فرصة وجوده في السجن ليقوم بالدعوة إلى الله
مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلاح
وإحسان العبادة والذكر والسلوك
انتهز هذه الفرصة ليحدث الناس عن رحمة الخالق وعظمته
وحبه لمخلوقاته
وفي أحد الأيام، قَدِمَ له سجينان
يسألانه تفسير أحلامهما
بعد أن توسما في وجهه الخيرإن أول ما قام به
يوسف عليه السلام
هو طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى
لأن ربه علمه علما خاصا
بعد ذلك فسر لهما الرؤى
بيّن لهما أن أحدها سيصلب...
والآخر سينجو...
وسيعمل في قصر الملك.
وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء الرجلين كانا يعملان في القصر
أحدهما طباخا
والآخر يسقي الناس
أوصى يوسف عليه السلام
من سينجو منهما أن يذكر حاله عند الملك.
لكن الرجل لم ينفذ الوصية.
فلبث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين.
تبدأ نقطة التحول..
من محن الشدة إلى محن الرخاء..
من محنة العبودية والرق....
لمحنة السلطة والملك ....

البروفيسور
07-15-2013, 11:45 PM
يحكي الملك لحاشيته رؤياه
طالباً منهم تفسيراً لها

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ
وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)

(يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)

لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير.
ربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها
أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء
فخشوا أن يفسروها للملك
وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية
وقالوا للملك أنها أحلام مختلطة ببعضها البعض
ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها
وصل الخبر إلى الساقي الذي نجا من السجن..
وأسرع إلى الملك وحدثه عن يوسف عليه السلام
قال له يوسف هو الوحيد الذي يستطيع تفسير رؤياك
جاء الوقت واحتاج الملك إلى رأي يوسف عليه السلام
فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره.
لم يساوم...
ولم يتردد...
ولم يقل شيئا....
غير تفسير الرؤيا...
لم يقم يوسف عليه السلام بالتفسير
المباشر المجرد للرؤيا.
وإنما قدم مع التفسير والنصح وطريقة مواجهة المصاعب
التي ستمر بها مصر.
أفهم يوسف عليه السلام رسول الملك أن مصر
ستمر عليها سبع سنوات مخصبة
تجود فيها الأرض بالغلات.
وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع.
لأن وراءها سبع سنوات مجدبة
ستأكل ما يخزنه المصريون
وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها
كي لا تفسد أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو
بهذا انتهى حلم الملك..
عاد الساقي إلى الملك أخبره بما قال يوسف عليه السلام
دهش الملك دهشة شديدة.
ما هذا السجين..؟
إنه يتنبأ لهم بما سيقع ويوجههم لعلاجه..
دون أن ينتظر أجرا أو جزاء.
أو يشترط خروجا أو مكافأة...
فأصدر الملك أمره بإخراج من السجن وإحضاره فورا إليه
ذهب رسول الملك إلى السجن.
ولا نعرف إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة.
أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه الشؤون.
ذهب إليه في سجنه رجا منه أن يخرج للقاء الملك..
فهو يطلبه على عجل رفض يوسف عليه السلام
يبدوا أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة
من الظروف قبل أن يبدأ التحقيق
لذلك جاء سؤاله دقيقا للنساء
فاعترف النساء بالحقيقة التي يصعب إنكارها

(قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)

وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف
التي يئست منه
ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به..
تتقدم لتقول كل شيء بصراحة
يصور السياق القرآني لنا اعتراف امرأة العزيز

(أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)

شهادة كاملة بإثمها هي.
وبراءته ونظافته وصدقه هو.
شهادة لا يدفع إليها خوف أو خشية أو أي اعتبار آخر..

ويصدر الأمر بالإفراج عنه وإحضاره
ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه السلام
بعد ما رأى الملك من أمر يوسف عليه السلام
براءته، وعلمه عرف أنه أمام رجل كريم
فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه
وإنما طلبه ليكون مستشاره.
وعندما جلس معه وكلمه تحقق له صدق ما توسمه فيه
فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده
قال يوسف عليه السلام

(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض..
صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها.. صار كبيرا للوزراء..
دارت عجلة الزمن..طوى السياق دورتها
ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء
وجاءت سنوات المجاعة..
إخوة يوسف عليه السلام
يجيئون من البدو من أرض كنعان
البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر.
لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان
وما حولها فاتجه إخوة يوسف عليه السلام إلى مصر.
وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان.
فدخلوا على عزيز مصر

(فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ )

أنزلهم منزلا طيبا ثم أخذ في إعداد الدرس الأول

( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ)

واستدرجهم حتى ذكروا له أن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم يحضر معهم
لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه فلما جهزهم بحاجات الرحلة
قال لهم...
إنه يريد أن يرى أخاهم هذا

(قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ)

وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين
فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم
ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف
سيلقى مني الإكرام المعهود

(أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)

رجع الأخوة إلى أبيهم..
وقبل أن ينزلوا أحمال الجمال ويفكوا متاعهم دخلوا على أبيهم.
قائلين له ...
إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة
فلن يعطينا عزيز مصر الطعام
وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب

(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )

(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ
مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

وفتح الأبناء أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال..
فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها..
مردودة إليهم مع الغلال والطعام..
ورد الثمن يشير إلى عدم الرغبة في البيع
أو هو إنذار بذلك..
وربما كان إحراجا لهم ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى
وأسرع الأبناء إلى أبيهم

(قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)

لم نكذب عليك..
لقد رد إلينا الثمن الذي ذهبنا نشتري به.
هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا إلا إذا ذهب أخونا معنا
واستمر حوارهم مع الأب..
أفهموه أن حبه لابنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم
ويؤثران على اقتصادهم وهم يريدون أن يتزودوا أكثر
وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه
وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم..
بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه
إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأحيط بهم..
نصحهم الأب ألا يدخلوا
وهم أحد عشر رجلا
من باب واحد من أبواب بمصر..
وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة
أو الحسد..
عاد إخوة يوسف عليه السلام
الأحد عشر هذه المرة...

البروفيسور
07-15-2013, 11:46 PM
(وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ
قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)

وهو يحتضن أخاه ويكشف له وحده سر قرابته
ولا ريب أن هذا لم يحدث فور دخول الإخوة
على يوسف عليه السلام
وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف
إنما وقع هذا في خفاء وتلطف
فلم يشعر إخوته
يعلم أن احتفاظه بأخيه سيثير أحزان أبيه
وربما حركت الأحزان الجديدة أحزانه القديمة
وربما ذكره هذا الحادث بفقد يوسف..
أمر يوسف عليه السلام
رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع أخيه خلسة..
وكان الكأس تستخدم كمكيال للغلال..
وكان لها قيمته كمعيار في الوزن
أخفى الكأس في متاع أخيه..
وتهيأ إخوة يوسف عليه السلام للرحيل
ومعهم أخوهم..
ثم أغلقت أبواب العاصمة..

(ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)

كانت صرخة الجند تعني وقوف القوافل جميعا..
وانطلق الاتهام فوق رؤوس الجميع
كقضاء خفي غامض.. أقبل الناس
وأقبل معهم إخوة يوسف عليه السلام

( مَّاذَا تَفْقِدُونَ)

هكذا تسائل إخوة يوسف عليه السلام..

قال الجنود

(نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)

ضاعت كأسه الذهبية..
ولمن يجيء بها مكافأة..
سنعطيه حمل بعير من الغلال

قال إخوة يوسف عليه السلام
ببراءة لم نأت لنفسد في الأرض ونسرق
قال الحراس
أي جزاء تحبون توقيعه على السارق؟
قال إخوة يوسف عليه السلام
في شريعتنا نعتبر من سرق عبدا لمن سرقه
قال الحارس
سنطبق عليكم قانونكم الخاص..
لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق
كانت هذه الإجابة كيدا وتدبيرا من الله تعالى
كان هذا الحوار على منظر ومسمع من يوسف عليه السلام
فأمر جنوده بالبدء بتفتيش
رحال أخوته أولا قبل تفتيش رحل أخيه الصغير
كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش
اطمأن إخوة إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء
فلم يبقى إلا أخوهم الصغير.
وتم استخراج الكأس من رحله.

(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)

إنهم يتنصلون من تهمة السرقة..
ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب عليه السلام

قال بينه وبين نفسه

(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)

سقط الصمت عليهم ثم انمحى إحساسهم بالنجاة..
وتذكروا يعقوب عليه السلام ..
لقد أخذ عليهم عهدا غليظا
ألا يفرطوا في ابنه
وبدءوا استرحام يوسف عليه السلام
ايها العزيز..

( إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)

قال يوسف عليه السلام بهدوء
كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده..
ونأخذ بدلا منه أنسانا آخر..؟
هذا ظلم..
ونحن لا نظلم
كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف
وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء
فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج
أمام أبيهم حين يرجعون ...

البروفيسور
07-15-2013, 11:47 PM
فعل الأبناء ما أمرهم به أخوهم الكبير
وحكوا ليعقوب عليه السلام ما حدث
استمع يعقوب عليه السلام إليهم وقال بحزن صابر
وعين دامعة

(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

كلمته ذاتها يوم فقد يوسف عليه السلام ..

(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)

فصارت أمام عينيه غشاوة بسبب البكاء
لا يمكن أن يرى بسببها.
والكظيم هو الحزين الذي لا يظهر حزنه
ولم يكن يعقوب عليه السلام
يبكي أمام أحد كان بكاؤه شكوى إلى الله لا يعلمها إلا الله
ثم لاحظ أبناؤه أنه لم يعد يبصر
وهاجموه في مشاعره الإنسانية كأب
حذروه بأنه سيهلك نفسه

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

إنه يشكو همه إلى الله..
ويعلم من الله ما لا يعلمون..
فليتركوه في بكائه وليصرفوا همهم لشيء
أجدى عليهم

(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ
وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)

إنه يكشف لهم في عمق أحزانه عن أمله
في روح الله..
تحركت القافلة في طريقها إلى مصر..
إخوة يوسف عليه السلام
في طريقهم إلى العزيز..
تدهور حالهم الاقتصادي وحالهم النفسي..
إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم
قد هدت قواهم تماما..
ها هم أولاء يدخلون على يوسف..
معهم بضاعة رديئة..
جاءوا بثمن لا يتيح لهم شراء شيء ذي بال..
وعندما دخلوا على يوسف عليه السلام
رجوه أن يتصدق عليهم

(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)

انتهى الأمر...
إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم..
ويستميلون قلبه
بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين
عندئذ وسط هوانهم وانحدار حالهم..
حدثهم يوسف بلغتهم بغير واسطة ولا مترجم

(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ)

(قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ
وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ
فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)

البروفيسور
07-15-2013, 11:47 PM
يكاد الحوار يتحرك بأدق تعبير عن مشاعرهم الداخلية..
فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف..
كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف عليه السلام..
وراح الحوار يمضي فيكشف لهم خطيئتهم معه..
لقد كادوا له
وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ

(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)

أحس منهم اعترافهم بالخطأ
فطمأنهم بقوله

(قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي
وذابت جذوره..
لم يقل لهم إنني أسامحكم أو أغفر لكم
إنما دعا الله أن يغفر لهم
دعا الله أن يغفر لهم..
وهو نبي ودعوته مستجابة..
ينهي حواره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه..
يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه..
يعلم أنه لم يعد يبصر..
لم يدر الحوار حول أبيه لكنه يعلم..
خلع يوسف عليه السلام قميصه وأعطاه لهم

(اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي
يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)
وعادت القافلة إلى فلسطين

وعندما خرجت القافلة من مصر
قال يعقوب عليه السلام
لمن حوله في فلسطين
إني أشم رائحة يوسف
لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف
لكن المفاجأة البعيدة تقع. وصلت القافلة
وألقى البشير قميص يوسف عليه السلام
على وجه يعقوب عليه السلام فارتدّ بصره.
هنا يذكر يعقوب عليه السلام حقيقة ما يعلمه من ربه

(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

اعترف الأخوة بخطئهم
وطلبوا من أباهم الاستغفار لهم
فهو نبي ودعاءه مستجاب.
إلا أن يعقوب عليه السلام

(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)


ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف عليه السلام


بدأت قصته برؤيا..
والختام تأويل رؤياه


(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا
وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ
إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

تأمل الآن مشاعره ورؤياه تتحقق..
إنه يدعو ربه

(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
هي دعوة واحدة..
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا

البروفيسور
07-15-2013, 11:47 PM
في المشاركه القادمه سوف نتحدث عن قصة سيّدنا أيوب عليه السّلام
ابتلاه الله بأنواع من الأمراض ‏الجسيمة في بدنه حتى قيل
إنه لم يبقى من جسده سليمًا إلا قلبه ولسانه يذكر الله ‏عز وجل بهما
وهو في كل هذا البلاء صابر محتسب يرجو ثواب الله في الآخرة
طال مرضه عليه الصلاة والسلام
ولزمه ثماني عشرة سنة وكانت زوجته لا تفارقه صباحًا ‏ولا مساء
إلا بسبب خدمة الناس بالأجرة لتطعمه وتقوم بحاجاته.
هذا ما سوف نعرفه بالتفصيل في المشاركه القادمه

البروفيسور
07-16-2013, 12:18 AM
هو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم
في سورة النساء في قوله تعالى

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ)

قصته عليه السلام

قال الله تعالى

(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ
وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)

وقال تعالى

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ
بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)

قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم

كان أيوب عليه السلام

رجلاً كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه
من الأنعام، والعبيد، والمواشي، والأراضي المتسعة
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير
فسلب من ذلك...
وابتلى في جسده بأنواع البلاء
ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه
يذكر الله عز وجل بها
وهو في ذلك كله صابر محتسب
ذاكر لله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس
وأخرج من بلده وانقطع عنه الناس ...
ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته
كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها
فكانت تتردد إليه، فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته
وتقوم بمصلحته...
وضُعف حالها، وقل ما لها
حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه
وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد
وما يختص بها من المصيبة بالزوج
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

(أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون
ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه
فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه)

ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبراً واحتساباً وحمداً وشكراً
حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام
ويضرب المثل أيضاً بما حصل له من أنواع البلايا
كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري
وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال
قيل أنه ابتلي ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقيل ابتلي سبع سنين وأشهراً
وقيل مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقيل تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب
فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته
فلما طال عليها
قالت
( يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك )

فقال
( قد عشت سبعين سنة صحيحاً
فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة)

فجزعت من هذا الكلام
وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها
لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفاً أن ينالهم من بلائه
أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحداً يستخدمها عمدت
فباعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها
بطعام طيب كثير، فأتت به أيوب عليه السلام
فقال
من أين لك هذا؟
وأنكره.
فقالت
خدمت به أناساً
فلما كان الغد لم تجد أحداً
فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به
فأنكره أيضاً
وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام
فكشفت عن رأسها خمارها
فلما رأى رأسها محلوقاً قال في دعائه

(أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

فأوحى الله إلى أيوب عليه السلام في مكانه أن
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء
وهو على أحسن ما كان
فلما رأته قالت
أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى
فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً
قال
فإني أنا هو
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
(لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب
فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه
قال
فقيل له يا أيوب أما تشبع؟
قال
يا رب ومن يشبع من رحمتك)

وقوله تعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ)
أي... اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به
فأنبع الله له عيناً باردة الماء، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها
فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض
الذي كان في جسده ظاهراً وباطناً
وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة
وجمالاً تاماً، ومالاً كثيراً حتى صب له من المال
صباً مطراً عظيماً جراداً من ذهب.
وأخلف الله له أهله كما قال تعالى
(وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)
فقيل: أحياهم الله بأعيانهم
وقيل: آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا
بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله تعالى (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)
أي رفعنا عنه شدته
وكشفنا ما به من ضر رحمة منا به، ورأفة وإحساناً.
(وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)
أي تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده
فله أسوة بنبي الله أيوب عليه السلام
حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب
حتى فرج الله عنه.
عن ابن عباس
رد الله إلي إمرأته شبابها، وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولداً ذكراً.

وقوله تعالى

(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ
إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)
هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام
فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط

البروفيسور
07-16-2013, 12:29 AM
ذو الكفل عليه السلام

من الأنبياء الصالحين، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة
قيل إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ويكفيهم أمرهم
ففعل فسمي بذي الكفل.
قال أهل التاريخ ذو الكفل عليه السلام
هو ابن أيوب عليه السلام وأسمه في الأصل (بشر)
وقد بعثه الله بعد أيوب وسماه ذا الكفل
لأنه تكفل ببعض الطاعات
وكان مقامه في الشام وأهل دمشق يتناقلون
أن له قبرا في جبل هناك يشرف على دمشق
يسمى قاسيون.
إلا أن بعض العلماء يرون أنه ليس بنبي
وإنما هو رجل من الصالحين من بني إسرائيل.
وقد رجح ابن كثير نبوته لأن الله تعالى
قرنه مع الأنبياء فقال عز وجل

(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ
وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ)

ويذكر بعض المؤرخين أن ذا الكفل تكفل لبني قومه
أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل فسمي
ذا الكفل وذكروا بعض القصص
في ذلك ولكنها قصص تحتاج إلى تثبت
وإلى تمحيص وتدقيق.

يونس عليه السلام

أرسله الله إلى قوم نينوى فدعاهم إلى عبادة الله وحده
ولكنهم أبوا واستكبروا فتركهم وتوعدهم بالعذاب
بعد ثلاث ليال فخشوا على أنفسهم
فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب
أما يونس عليه السلام فخرج في سفينة
وكانوا على وشك الغرق فاقترعوا
لكي يحددوا من سيلقى من الرجال
فوقع ثلاثا على يونس عليه السلام فرمى نفسه
في البحر...
فالتقمه الحوت وأوحى الله إليه أن
لا يأكله فدعا يونس عليه السلام
ربه أن يخرجه من الظلمات فاستجاب الله له
وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون
كان يونس عليه السلام نبيا كريما أرسله الله
إلى قومه يعظهم وينصحهم
ويرشدهم إلى الخير
ويذكرهم بيوم القيامة
ويخوفهم من النار
ويحببهم إلى الجنة، ويأمرهم بالمعروف
ويدعوهم إلى عبادة الله وحده.
وظل ذو النون - يونس عليه السلام-
ينصح قومه فلم يؤمن منهم أحد.
وجاء يوم عليه فأحس باليأس من قومه..
وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون
وخرج غاضبا وقرر هجرهم ووعدهم
بحلول العذاب بهم بعد ثلاثة أيام.
ولا يذكر القرآن أين كان قوم يونس.
ولكن المفهوم أنهم كانوا في بقعة قريبة من البحر.

وقال أهل التفسير

بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل (نينوى)
من أرض الموصل.
فقاده الغضب إلى شاطىء البحر حيث ركب سفينة مشحونة
ولم يكن الأمر الإلهي قد صدر له
بأن يترك قومه أو ييأس منهم
فلما خرج من قريته
وتأكد أهل القرية من نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة
وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم وصرخوا وتضرعوا إلى الله عز وجل
وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات.
وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون.
وقد آمنوا أجمعين
فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب
الذي استحقوه بتكذيبهم.
أما السفينة التي ركبها يونس عليه السلام
فقد هاج بها البحر وارتفع من حولها الموج.
وكان هذا علامة عند القوم بأن من بين الركاب راكباً مغضوباً عليه
لأنه ارتكب خطيئة.
وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة
من الغرق.
فاقترعوا على من يلقونه من السفينة .
فخرج سهم يونس عليه السلام
وكان معروفاً عندهم بالصلاح فأعادوا القرعة فخرج سهمه ثانية
فأعادواها ثالثة
ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فألقوه في البحر
أو ألقى هو نفسه.
فالتقمه الحوت لأنه تخلى عن المهمة
التي أرسله الله بها
وترك قومه مغاضباً قبل أن يأذن الله له
وأحى الله للحوت أن لا يخدش ليونس لحما
ولا يكسر له عظما.

واختلف المفسرون

في مدة بقاء يونس في بطن الحوت
فمنهم من قال أن الحوت التقمه عند الضحى وأخرجه عند العشاء.
ومنهم من قال انه لبث في بطنه ثلاثة أيام
ومنهم من قال سبعة.
عندما أحس بالضيق في بطن الحوت
في الظلمات -ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل
سبح الله واستغفره

وقال
(لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

فسمع الله دعاءه واستجاب له. فلفظه الحوت

(فلولا أنه كان من المسبحين
للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)

وقد خرج من بطن الحوت سقيماً عارياً
على الشاطىء
وأنبت الله عليه شجرة القرع

قال بعض العلماء

في إنبات القرع عليه حِكَم جمة. منها أن ورقه في غاية النعومة
وكثير وظليل ولا يقربه ذباب
ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نياً ومطبوخاً
وبقشره وببزره أيضاً.
وكان هذا من تدبير الله ولطفه.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك
فلما استكمل عافيته رده الله إلى قومه الذين تركهم مغاضباً.

لقد وردت أحاديث كثيرة عن فضل يونس عليه السلام

منها قول النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم
"‏لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من ‏‏ يونس بن متى"
وقوله عليه الصلاة والسلام
"من قال أنا خير من ‏‏ يونس بن متى ‏ ‏فقد كذب".

فعاقبه الله وعلمه أن على النبي أن يدعو لله فحسب
والله يهدي من يشاء

البروفيسور
07-16-2013, 12:30 AM
شعيب عليه السلام

أرسل شعيب عليه السلام إلى قوم مدين وكانوا يعبدون الأيكة
وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم
فدعاهم إلى عبادة الله وأن يتعاملوا بالعدل
ولكنهم أبوا واستكبروا واستمروا في عنادهم وتوعدوه
بالرجم والطرد وطالبوه بأن ينزل عليهم كسفا من السماء
فجاءت الصيحة وقضت عليهم جميعا.

دعوة شعيب عليه السلام

لقد برز في قصة شعيب أن الدين ليس قضية توحيد وألوهية فقط
بل إنه كذلك أسلوب لحياة الناس..
أرسل الله تعالى شعيبا إلى أهل مدين

فقال شعيب عليه السلام

(يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُه)

نفس الدعوة التي يدعوها كل نبي..
لا تختلف من نبي إلى آخر..
لا تتبدل ولا تتردد.
هي أساس العقيدة..
وبغير هذه الأساس يستحيل أن ينهض بناء
بعد تبيين هذا الأساس..
بدأ شعيب عليه السلام
في توضيح الأمور الاخرى التي جاءت بها دعوته

(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ
وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ)

بعد قضية التوحيد مباشرة..
ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية..

قضية الأمانة والعدالة..
كان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان
ولا يعطون الناس حقهم..
وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد..
كما تمس كمال المروءة والشرف
وكان أهل مدين يعتبرون بخس الناس أشياءهم..
نوعا من أنواع المهارة في البيع والشراء..
ودهاء في الأخذ والعطاء..
ثم جاء نبيهم وأفهمهم أن هذه دناءة وسرقة..
أفهمهم أنه يخاف عليهم بسببها من عذاب يوم محيط..
انظر إلى تدخل الإسلام الذي بعث به شعيب عليه السلام
في حياة الناس...
إلى الحد الذي يرقب فيه عملية البيع والشراء

البروفيسور
07-16-2013, 12:30 AM
قال
(وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)

لم يزل شعيب عليه السلام ماضيا في دعوته..
ها هو ذا يكرر نصحه لهم بصورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية..
إنه يوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط..
بالعدل والحق..
وهو يحذرهم أن يبخسوا الناس أشيائهم.

لنتدبر معا في التعبير القرآني القائل

(وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)

كلمة الشيء تطلق على الأشياء المادية والمعنوية..
أي أنها ليست مقصورة على البيع والشراء فقط
بل تدخل فيها الأعمال
أو التصرفات الشخصية
ويعني النص تحريم الظلم سواء كان ظلما في وزن الفاكهة أو الخضراوات
أو ظلما في تقييم مجهود الناس وأعمالهم..
ذلك أن ظلم الناس يشيع في جو الحياة مشاعر من الألم واليأس واللامبالاة
وتكون النتيجة أن ينهزم الناس من الداخل
وتنهار علاقات العمل
وتلحقها القيم.. ويشيع الاضطراب في الحياة..
ولذلك يستكمل النص تحذيره من الإفساد في الأرض

(وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)

العثو هو تعمد الإفساد والقصد إليه فلا تفسدوا في الأرض متعمدين قاصدين
(بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ)
ما عند الله خير لكم..
(إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

بعدها يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه..
ينحي نفسه ويفهمهم أنه لا يملك لهم شيئا..
ليس موكلا عليهم ولا حفيظا عليهم ولا حارسا لهم..
إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربه
(وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)
بهذا الأسلوب يشعر شعيب عليه السلام
قومه بأن الأمر جد وخطير وثقيل..
إذ بين لهم عاقبة إفسادهم وتركهم أمام العاقبة وحدهم.
رد قوم شعيب عليه السلام
كان هو الذي يتكلم..
وكان قومه يستمعون..
توقف هو عن الكلام وتحدث قومه

(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)

كان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل
ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة..
وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها..
وكانوا من أسوأ الناس معاملة
يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما
ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص..
انظر بعد هذا كله إلى حوارهم مع شعيب عليه السلام

(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)

بهذا التهكم الخفيف والسخرية المندهشة..
واستهوال الأمر..
لقد كان آباؤهم يعبدون الأشجار والنباتات..
وصلاة شعيب تأمرهم أن يعبدوا الله وحده..
أي جرأة هذه ...
بهذا المنطق الساخر الهازئ وجه قوم شعيب عليه السلام خطابهم إلى نبيهم..
ثم عادوا يتساءلون بدهشة ساخرة

البروفيسور
07-16-2013, 12:31 AM
(أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء)

تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل في إرادتنا، وطريقة تصرفنا في أموالنا..
ما هي علاقة الإيمان والصلاة بالمعاملات المادية؟
بهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب عليه السلام قمة في الذكاء..
طرحوا أمامه قضية الإيمان
وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم
هذه المحاولة للتفريق بين الحياة الاقتصادية والإسلام
وقد بعث به كل الأنبياء
وإن اختلفت أسماؤه..
هذه المحاولة قديمة من عمر قوم شعيب عليه السلام
لقد أنكروا أن يتدخل الدين في حياتهم اليومية
وسلوكهم واقتصادهم وطريقة إنفاقهم لأموالهم بحرية..
إن حرية إنفاق المال أو إهلاكه أو التصرف فيه شيء لا علاقة له بالدين..
هذه حرية الإنسان الشخصية..
وهذا ماله الخاص
ما الذي أقحم الدين على هذا وذاك؟..
هذا هو فهم قوم شعيب عليه السلام للإسلام الذي جاء به
وهو لا يختلف كثيرا أو قليلا عن فهم عديد من الأقوام في زماننا الذي نعيش فيه
ما للإسلام وسلوك الإنسان الشخصي
وحياتهم الاقتصادية وأسلوب الإنتاج وطرق التوزيع وتصرف الناس في أموالهم كما يشاءون..
ما للإسلام وحياتنا اليومية..؟
ثم يعودون إلى السخرية منه والاستهزاء بدعوته

(إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)

أي لو كنت حليما رشيدا لما قلت ما تقول.
أدرك شعيب عليه السلام أن قومه يسخرون منه لاستبعادهم تدخل الدين في الحياة اليومية..
ولذلك تلطف معهم تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه
وتجاوز سخريتهم لا يباليها
ولا يتوقف عندها، ولا يناقشها..
تجاوز السخرية إلى الجد..
أفهمهم أنه على بينة من ربه..
إنه نبي يعلم وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه
إنه لا ينهاهم عن شيء ليحقق لنفسه نفعا منه
إنه لا ينصحهم بالأمانة ليخلوا له السوق فيستفيد من التلاعب..
إنه لا يفعل شيئا من ذلك..
إنما هو نبي..
وها هو ذا يلخص لهم كل دعوات الأنبياء هذا التلخيص المعجز
(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)
إن ما يريده هو الإصلاح..
هذه هي دعوات الأنبياء في مضمونها الحقيقي وعمقها البعيد..
إنهم مصلحون أساسا، مصلحون للعقول، والقلوب، والحياة العامة، والحياة الخاصة.
بعد أن بين شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته
وما يجب عليهم الالتزام به
ورأى منهم الاستكبار
حاول إيقاض مشاعرهم بتذكيرهم بمصير من قبلهم من الأمم
وكيف دمرهم الله بأمر منه
فذكرهم قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط.
وأراهم أن سبيل النجاة هو العودة لله تائبين مستغفرين، فالمولى غفور رحيم

تحدي وتهديد القوم لشعيب

لكن قوم شعيب أعرضوا عنه قائلين

(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا)
إنه ضعيف بمقياسهم. ضعيف لأن الفقراء والمساكيهم فقط اتبعوه
أما باقي القوم فاستكبروا وأصروا على طغيانهم
إنه مقياس بشري خاطئ
فالقوة بيد الله والله مع أنبياء
ويستمر الكفرة في تهديهم قائلين

(وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)

لولا أهلك وقومك ومن يتبعك لحفرنا لك حفرة وقتلناك ضربا بالحجارة.
نرى أنه عندما أقام شعيب عليه السلام الحجة على قومه
غيروا أسلوبهم فتحولوا من السخرية إلى التهديد.
وأظهروا حقيقة كرههم له
لكن شعيب عليه السلام تلطف معهم..
تجاوز عن إساءتهم إليه وسألهم سؤالا كان هدفه إيقاظ عقولهم

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ)

إنهم يسيئون تقدير حقيقة القوى التي تتحكم في الوجود..
إن الله هو وحده العزيز..
والمفروض أن يدركوا ذلك..
المفروض ألا يقيم الإنسان وزنا في الوجود لغير الله..
ولا يخشى في الوجود غير الله..
ولا يعمل حسابا في الوجود لقوة غير الله ..
إن الله هو القاهر فوق عباده.
ويبدو أن قوم شعيب عليه السلام ضاقوا ذرعا بشعيب.
فاجتمع رؤساء قومه ودخلوا مرحلة جديدة من التهديد..
هددوه أولا بالقتل وها هم أولاء يهددونه بالطرد من قريتهم..
خيروه بين التشريد والعودة إلى ديانتهم وملتهم التي تعبد الأشجار والجمادات..
وأفهمهم شعيب عليه السلام أن مسألة عودته في ملتهم مسألة
لا يمكن حتى التفكير بها فكيف بهم يسألونه تنفيذها.
لقد نجاه الله من ملتهم
فكيف يعود إليها
أنه هو الذي يدعوهم إلى ملة التوحيد..
فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر
ثم أين تكافؤ الفرص
أنه يدعوهم برفق ولين وحب..
وهم يهددونه بالقوة.
واستمر الصراع بين قوم شعيب ونبيهم..
حمل الدعوة ضده الرؤساء والكبراء والحكام..
وبدا واضحا أن لا أمل فيهم..
لقد أعرضوا عن الله..
أداروا ظهورهم لله.
فنفض شعيب يديه منهم.
لقد هجروا الله، وكذبوا نبيه
واتهموه بأنه مسحور وكاذب.. فليعمل كل واحد.. ولينتظروا جميعا أمر الله.
هلاك قوم شعيب
وانتقل الصراع إلى تحد من لون جديد
راحوا يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفا من السماء إن كان من الصادقين..
راحوا يسألونه عن عذاب الله.. أين هو..
وكيف هو..؟
ولماذا تأخر..؟
سخروا منه..
وانتظر شعيب عليه السلام أمر الله.
أوحى الله إليه أن يخرج المؤمنين ويخرج معهم من القرية..
وخرج شعيب عليه السلام ..
وجاء أمره تعالى
وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ
فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ)

هي صيحة واحدة.. صوت جاءهم من غمامة أظلتهم..
ولعلهم فرحوا بما تصوروا أنها تحمله من المطر..
ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب عظيم ليوم عظيم..
انتهى الأمر.
أدركتهم صيحة جبارة جعلت كل واحد فيهم يجثم على وجهه في مكانه
الذي كان فيه في داره..
صعقت الصيحة كل مخلوق حي..
لم يستطع أن يتحرك أو يجري
أو يختبئ أو ينقذ نفسه..
جثم في مكانه مصروعا بصيحة.

البروفيسور
07-16-2013, 12:32 AM
انبياء أهل القرية

أرسل الله رسولين لإحدى القرى
لكن اهلها كذبوهما فأرسل الله تعالى رسولا
ثالثا يصدقهما ولا يذكر ويذكر لنا القرآن الكريم
قصة رجل آمن بهم ودعى قومه للإيمان
لكنهم قتلوه
فأدخله الله الجنة
سيرتهم

يحكي الحق تبارك وتعالى قصة أنبياء ثلاثة بغير
أن يذكر أسمائهم.
كل ما يذكره السياق أن القوم كذبوا رسولين
أرسل الله ثالثا يعزرهما
ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية
ولا ما هي القرية.
وقد اختلفت فيها الروايات
وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها
أو موضعها لا يزيد شيئاً في دلالة القصة وإيحائها
لكن الناس ظلوا على إنكارهم للرسل وتكذيبهم

وقالوا

(قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن
مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)


وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل
تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك
كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول
قد كانوا يتوقعون دائماً أن يكون هناك سر غامض
في شخصية الرسول وحياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير..
أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة
لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها
شخصية بشرية عادية من الشخصيات
التي تمتلىء بها الأسواق والبيوت
وهذه هي سذاجة التصور والتفكير.
فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة
فالرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية.
وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة
وفق ذلك المنهج الإلهي.
النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به.
وهم بشر.
فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجاً
من الحياة يملكون هم أن يقلدوه.

قالوا
إننا نتشاءم منكم
ونتوقع الشر في دعوتكم
فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن نسكت عليكم
ولن ندعكم في دعوتكم
(لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)

هكذا أسفر الباطل عن غشمه
وأطلق على الهداة تهديده
وبغى في وجه كلمة الحق الهادئة
ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم
بالمضي في الطريق

(قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ)

فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة
من خرافات الجاهلية

وقالوا لهم
(أَئِن ذُكِّرْتُم)
أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم!
أفهذا جزاء التذكير?
(بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ)

تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير
وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد
وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب!
ما كان من الرجل المؤمن
لا يقول لنا السياق ماذا كان من أمر هؤلاء الأنبياء
إنما يذكر ما كان من أمر إنسان آمن بهم
آمن بهم وحده..
ووقف بإيمانه أقلية ضعيفة ضد أغلبية كافرة.
إنسان جاء من أقصى المدينة يسعى.
جاء وقد تفتح قلبه لدعوة الحق..
فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها
بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق.
وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت
هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتاً
ولم يقبع في داره بعقيدته
وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور
ولكنه سعى بالحق الذي آمن به
سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون
ويتوعدون ويهددون
وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم
بواجبه في دعوة قومه إلى الحق
وفي كفهم عن البغي
وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون
أن يصبوه على المرسلين.
ويبدو أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان
ولم تكن له عشيرة تدافع عنه إن وقع له أذى
ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه
وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها.
فقال لهم
اتبعوا هؤلاء الرسل
فإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة
وهو لا يطلب أجراً
ولا يبتغي مغنماً
إنه لصادق
وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء
إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله?
ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة?
ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة?
والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم
وهو لا يجني من ذلك كسباً
ولا يطلب منهم أجراً
وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم.
فهم يدعون إلى إله واحد
ويدعون إلى نهج واضح
ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض
فهم مهتدون إلى نهج سليم
وإلى طريق مستقيم.
ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه هو
وعن أسباب إيمانه ويناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه
فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم.
فلقد تسائل مع نفسه قبل إئمانه
لماذا لا أعبد الذي فطرني
والذي إليه المرجع والمصير
وما الذي يحيد بي عن هذا النهج الطبيعي
الذي يخطر على النفس أول ما يخطر
إن الفطر مجذوبة إلى الذي فطرها
تتجه إليه أول ما تتجه
فلا تنحرف عنه إلا بدافع آخر خارج على فطرتها.
والتوجه إلى الخالق هو الأولى.
والآن وقد تحدث الرجل بلسان الفطرة الصادقة
العارفة الواضحة يقرر قراره الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين.
لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد
ومن كل تكذيب

(إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)

هكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة.
وأشهدهم عليها
وهو يوحي إليهم أن يقولوها كما قالها
أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون
استشهاد الرجل ودخوله الجنة
ويوحي سياق القصة بعد ذلك القوم الكافرين
قتلوا الرجل المؤمن
وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة
إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها
وعلى القوم وما هم فيه
ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق
متبعاً صوت الفطرة
وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل
نراه في العالم الآخر
ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة
تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد

(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)

وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة.
ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء
وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة.
ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق.
ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم.
ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين.
ونرى الرجل المؤمن
وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة
يذكر قومه طيب القلب رضي النفس
يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة
ليعرفوا الحق معرفة اليقين.
هذا كان جزاء الإيمان...
إهلاك أصحاب القرية بالصيحة
فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره

(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ
وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)

لا يطيل هنا في وصف مصرع القوم
تهويناً لشأنهم
وتصغيراً لقدرهم
فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم
ويسدل الستار على مشهدهم البائس المهين الذليل
تجاوز السياق أسماء الأنبياء وقصصهم
ليبرز قصة رجل آمن..
لم يذكر لنا السياق اسمه
اسمه لا يهم.. المهم ما وقع له..
لقد آمن بأنبياء الله..
قيل له ادخل الجنة
ليكن ما كان من أمر تعذيبه وقتله.
ليس هذا في الحساب النهائي شيئا له قيمته
تكمن القيمة في دخوله فور إعلانه أنه آمن
فور قتله

البروفيسور
07-16-2013, 12:33 AM
لي عوده ان شاء الله لنكمل معكم...
وسوف نتحدث عن قصة موسى عليه السلام
أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه
وأيده بمعجزتين
إحداهما هي العصا التي تلقف الثعابين
أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه
فتخرج بيضاء من غير سوء
دعا موسى عليه السلام إلى وحدانية الله فحاربه فرعون
وجمع له السحرة ليكيدوا له
ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى
ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه
فطارده فرعون بجيش عظيم
ووقت أن ظن أتباعه أنهم مدركون
أمره الله أن يضرب البحر بعصاه
لتكون نجاته
وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للآخرين
هذا ما سنعرفه في المشاركة القادمة ان شاء الله

أستودعكم الله

احساس عاشقه
07-16-2013, 02:50 PM
أسعدك الرحمن أخي
ودمت بألف خير
احترامي

البروفيسور
07-21-2013, 11:25 PM
أسعدك الرحمن أخي
ودمت بألف خير
احترامي

بارك الله فيكي شكراً لمشاركتك العطره

البروفيسور
07-21-2013, 11:25 PM
أرسل الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام
لأشد الشعوب كرها للحق وابتعادا عنه..
لذلك كانت حياتهما مليئة بالأحداث والمواقف.
ولكي نستطيع عرض هذه القصة بالشكل الصحيح..

تم تقسيمها إلى أربعة أجزاء
كل جزء يتناول مرحلة من مراحل حياة
هذين النبيين الكريمين.

أجزاء القصة
الجزء الاول

يتناول نشأة موسى عليه السلام
وخروجه من مصر إلى مدين هاربا من فرعون وجنوده
ولقاءه بربه في الوادي المقدس.
أثناء حياة يوسف علي السلام بمصر
تحولت مصر إلى التوحيد
توحيد الله سبحانه
وهي الرسالة التي كان يحملها جميع الرسل
إلى أقواهم لكن بعد وفاته...
عاد أهل مصر إلى ضلالهم وشركهم
أما أبناء يعقوب أو أبناء إسرائيل
فقد اختلطوا بالمجتمع المصري
فضلّ منهم من ضل
وبقي على التوحيد من بقي
وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم
واشتغلوا في العديد من الحرف.
ثم حكم مصر ملك جبار كان المصريون يعبدونه
ورأى هذا الملك بني إسرائيل يتكاثرون ويزيدون ويملكون
وسمعهم يتحدثون...
إن واحدا من أبناء إسرائيل سيسقط فرعون مصر
عن عرشه.
فأصدر فرعون أمره ألا يلد أحد من بني إسرائيل

(أي أن يقتل أي وليد ذكر)

وبدأ تطبيق النظام

ثم قال مستشارون فرعون له

إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم
والصغار يذبحون
وهذا سينتهي إلى إفناء بني إسرائيل
فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها
والأفضل أن تنظم العملية بأن يذبحون الذكور
في عام ويتركونهم في العام الذي يليه.
ووجد فرعون أن هذا الحل أسلم.
وحملت أم موسى عليه السلام بهارون في العام
الذي لا يقتل فيه الغلمان
فولدته...
فلما جاء العام الذي يقتل فيه الغلمان
ولد موسى عليه السلام
حمل ميلاده خوفا عظيما لأمه
خافت عليه من القتل
اصبحت ترضعه في السر.
ثم جاءت عليها ليلة مباركة أوحى الله إليها فيها
للأم بصنع صندوق صغير لموسى عليه السلام
ثم إرضاعه ووضعه في الصندوق
وإلقاءه في النهر
كان قلب الأم، وهو أرحم القلوب في الدنيا
يمتلئ بالألم وهي ترمي ابنها في النيل
لكنها كانت تعلم أن الله أرحم بموسى عليه السلام
منها والله هو ربه ورب النيل.
لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل
حتى أصدر الخالق أمره إلى الأمواج
أن تكون هادئة حانية وهي تحمل هذا الرضيع
الذي سيكون نبيا فيما بعد
ومثلما أصدر الله تعالى أمره للنار
أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام
كذلك أصدر أمره للنيل أن يحمل موسى عليه السلام
بهدوء ورفق حتى يسلمه إلى قصر فرعون
وحملت مياه النيل هذا الصندوق العزيز إلى قصر فرعون.
وهناك أسلمه الموج للشاطئ
رفض موسى عليه السلام للمراضع
وفي ذلك الصباح خرجت زوجة فرعون تتمشى
في حديقة القصر.
وكانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه.
فقد كان هو كافرا وكانت هي مؤمنة
كان هو قاسيا وكانت هي رحيمة.
كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة.
وأيضا كانت حزينة
فلم تكن تلد.
وكانت تتمنى أن يكون عندها ولد.
وعندما ذهبت الجواري ليملأن الجرار من النهر
وجدن الصندوق
فحملنه كما هو إلى زوجة فرعون.
فأمرتهن أن يفتحنه ففتحنه
فرأت موسى عليه السلام بداخله
فأحست بحبه في قلبها
فلقد ألقى الله في قلبها محبته فحملته من الصندوق
فاستيقظ موسى عليه السلام وبدأ يبكي.
كان جائعا
فجاءت زوجة فرعون إليه
وهي تحمل بين بيدها طفلا رضيعا
فسأل من أين جاء هذا الرضيع؟
فحدثوه بأمر الصندوق
فقال بقلب لا يعرف الرحمة
لابد أنه أحد أطفال بني إسرائيل
أليس المفروض أن يقتل أطفال هذه السنة؟
وطلبت منه أن يسمح لها بتربيته
سمح لها بذلك
عاد موسى عليه السلام للبكاء من الجوع
فأمرت بإحضار المراضع.
فحضرت مرضعة من القصر
وأخذت موسى عليه السلام لترضعه فرفض
أن يرضع منها.
فحضرت مرضعة ثانية وثالثة وعاشرة
وموسى عليه السلام يبكي ولا يريد أن يرضع
فاحتارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل
لم تكن زوجة فرعون هي وحدها الحزينة الباكية
بسبب رفض موسى عليه السلام لجميع المراضع
فلقد كانت أم موسى هي الأخرى حزينة باكية
لم تكد ترمي موسى عليه السلام في النيل
حتى أحست أنها ترمي قلبها في النيل
غاب الصندوق في مياه النيل واختفت أخباره
وجاء الصباح على أم موسى عليه السلام
فإذا قلبها فارغ يذوب حزنا على ابنها
وكادت تذهب إلى قصر فرعون لتبلغهم نبأ ابنها
وليكن ما يكون...
لولا أن الله تعالى ربط على قلبها
وملأ بالسلام نفسها فهدأت واستكانت
وتركت أمر ابنها لله.
كل ما في الأمر أنها قالت لأخته
اذهبي بهدوء إلى المدينة وحاولي أن تعرفي
ماذا حدث لموسى عليه السلام
وذهبت أخت موسى عليه السلام بهدوء ورفق
إلى جوار قصر فرعون
فإذا بها تسمع القصة الكاملة
رأت موسى عليه السلام من بعيد وسمعت بكاءه ورأتهم حائرين
لا يعرفون كيف يرضعونه
سمعت أنه يرفض كل المراضع
وقالت أخت موسى عليه السلام
لحرس فرعون
هل أدلكم على أهل بيت يرضعونه
ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه
ففرحت زوجة فرعون كثيرا لهذا الأمر
وطلبت منها أن تحضر المرضعة.
وعادت أخت موسى عليه السلام
وأحضرت أمه
وأرضعته أمه فرضع وتهللت زوجة فرعون

وقالت
"خذيه حتى تنتهي فترة رضاعته
وأعيديه إلينا بعدها
وسنعطيك أجرا عظيما على تربيتك له"

وهكذا رد الله تعالى موسى عليه السلام
لأمه كي تقر عينها ويهدأ قلبها ولا تحزن
ولتعلم أن وعد الله حق
وأن كلماته سبحانه تنفذ رغم أي شيء
أتمت أم موسى عليه السلام رضاعته
وأسلمته لبيت فرعون
كان موضع حب الجميع
كان لا يراه أحد إلا أحبه
وها هو ذا في أعظم قصور الدنيا يتربى بحفظ الله وعنايته
بدأت تربية موسى في بيت فرعون
وكان هذا البيت يضم أعظم المربين والمدرسين
في ذلك الوقت
كانت مصر أيامها أعظم دولة في الأرض
وكان فرعون أقوى ملك في الأرض
ومن الطبيعي أن يضم قصره أعظم المدربين
والمثقفين والمربين في الأرض.
وهكذا شاءت حكمة الله تعالى
أن يتربى موسى عليه السلام
أعظم تربية وأن يتعهده أعظم المدرسين
وأن يتم هذا كله في بيت عدوه
الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.
وكبر موسى عليه السلام في بيت فرعون
كان موسى عليه السلام يعلم أنه ليس ابنا لفرعون
إنما هو واحد من بني إسرائيل.
وكان يرى كيف يضطهد رجال فرعون
وأتباعه بني إسرائيل..
وكبر موسى عليه السلام وبلغ أشده..

(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا)

وذهب يتمشى فيها فوجد رجلا من اتباع فرعون
وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل
واستغاث به الرجل الضعيف فتدخل موسى
وأزاح بيده الرجل الظالم فقتله
كان موسى قويا جدا
ولم يكن يقصد قتل الظالم
إنما أراد إزاحته فقط
لكن ضربته هذه قتلته
ففوجئ موسى عليه السلام به وقد مات

وقال لنفسه
(هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)
ودعا موسى ربه
(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)
وغفر الله تعالى له
(إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
أصبح موسى عليه السلام
(فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)

كان هذا حال موسى حال إنسان مطارد
فهو خائف
يتوقع الشر في كل خطوة
وهو مترقب ...
ووعد موسى عليه السلام بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين
لن يتدخل في المشاجرات بين المجرمين
والمشاغبين ليدافع عن أحد من قومه
وفوجئ موسى عليه السلام أثناء سيره
بنفس الرجل الذي أنقذه بالأمس وهو يناديه ويستصرخه اليوم
كان الرجل مشتبكا في عراك مع أحد المصريين
وأدرك موسى عليه السلام
بأن هذا الإسرائيلي مشاغب
أدرك أنه من هواة المشاجرات
وصرخ موسى عليه السلام
في الإسرائيلي يعنفه

البروفيسور
07-21-2013, 11:26 PM
قائلا
(إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ)

قال موسى كلمته واندفع نحوهما يريد البطش بالمصري
واعتقد الإسرائيلي أن موسى سيبطش به هو
دفعه الخوف من موسى عليه السلام إلى استرحامه صارخا
وذكّره بالمصري الذي قتله بالأمس
فتوقف موسى عليه السلام
سكت عنه الغضب وتذكر ما فعله بالأمس
وكيف استغفر وتاب ووعد ألا يكون نصيرا للمجرمين
استدار موسى عليه السلام عائدا
ومضى وهو يستغفر ربه.
وأدرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي
أن موسى عليه السلام هو قاتل المصري
الذي عثروا على جثته أمس
ولم يكن أحد من المصررين يعلم من القاتل
فنشر هذا المصري الخبر في أرجاء المدينة
وانكشف سر موسى عليه السلام
وظهر أمره..
وجاء رجل مصري مؤمن من أقصى المدينة مسرعا
ونصح موسى عليه السلام بالخروج من مصر
لأن المصريين ينوون قلته
لم يذكر القرآن الكريم اسم الرجل الذي
جاء يحذر موسى عليه السلام
يعرف الرجل أن موسى عليه السلام
لم يكن يستحق القتل على ذنبه بالأمس..
لكن رؤساء القوم وعليتهم
الذين يبدوا أنهم كانوا يكرهون موسى عليه السلام
لأنه من بني إسرائيل
ولأنه نجى من العام الذي يقتل فيه كل مولود ذكر
وجدوا هذه الفرصة مناسبة للتخلص من موسى
فهو قاتل المصري
لذا فهو يستحق القتل.
خرج موسى عليه السلام من مصر على الفور
خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب

في قلبه دعاء لله
(رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)


وكان القوم ظالمين حقا
خرج موسى عليه السلام من مصر على عجل
لم يذهب إلى قصر فرعون ولم يغير ملابسه
ولم يأخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته
لم يكن معه دابة تحمله على ظهرها وتوصله
ولم يكن في قافلة
إنما خرج بمجرد أن جاءه الرجل المؤمن
وحذره من فرعون ونصحه أن يخرج
اختار طريقا غير مطروق وسلكه
دخل في الصحراء مباشرة واتجه إلى حيث قدرت
له العناية الإلهية أن يتجه
لم يكن موسى عليه السلام يسير قاصدا مكانا معينا
هذه أول مرة يخرج فيها ويعبر الصحراء وحده.
ظل يسير بنفسية المطارد حتى وصل إلى مكان
كان هذا المكان هو مدين
جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم
وكان خائفا طوال الوقت
أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه
لم يكد موسى عليه السلام يصل إلى مدين
حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح
نال منه الجوع والتعب
وسقطت نعله بعد أن ذابت من مشقة السير
على الرمال والصخور والتراب
لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة
ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب
لاحظ موسى عليه السلام جماعة
من الرعاة يسقون غنمهم
ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم
أحس موسى عليه السلام
بما يشبه الإلهام أن الفتاتين في حاجة إلى المساعدة
تقدم منهما وسأل هل يستطيع أن يساعدهما
في شيء

قالت إحداهما
نحن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهم
لنسقي.
سأل موسى عليه السلام ولماذا لا تسقيان؟
قالت الأخرى
لا نستطيع أن نزاحم الرجال.
اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم
المفروض أن يرعى الرجال الأغنام
هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج إلى اليقظة
سأل موسى عليه السلام
لماذا ترعيان الغنم؟
فقالت واحدة منهما
أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته على الخروج
كل يوم للرعي.
فقال موسى عليه السلام
سأسقي لكما.
سار موسى عليه السلام
نحو الماء وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة


وفي رواية أن الرعاة قد وضعوا على فم البئر
بعد أن انتهوا منها صخرة ضخمة
لا يستطيع أن يحركها غير عدد من الرجال
فرفع موسى الصخرة وحده
وسقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلى مكانها
وتركهما وعاد يجلس تحت ظل الشجرة

وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه
(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ
سأل الأب
عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
قالت إحداهما
تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
فقال الأب لابنته
اذهبي إليه وقولي له
(إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ)
ليعطيك
(أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)

ذهبت واحدة من الفتاتين إلى موسى عليه السلام
ووقفت أمامه وأبلغته رسالة أبيها
فنهض موسى عليه السلام وبصره في الأرض
إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهن أجرا
وإنما ساعدهما لوجه الله
غير أنه أحس في داخله أن الله هو الذي
يوجه قدميه فنهض.
سارت البنت أمامه
هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره
حياء وقال لها
سأسير أنا أمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.
وصلا إلى الشيخ
قال بعض المفسرين إن هذا الشيخ هو النبي شعيب
عمر طويلا بعد موت قومه
وقيل إنه ابن أخي شعيب
وقيل ابن عمه
وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب الذين آمنوا به
لا نعرف أكثر من كونه شيخا صالحا.
قدم له الشيخ الطعام وسأله
من أين قدم وإلى أين سيذهب؟
حدثه موسى عليه السلام عن قصته

قال الشيخ
(لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

هذه البلاد لا تتبع مصر
ولن يصلوا إليك هنا
اطمأن موسى عليه السلام ونهض لينصرف.

قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا
(يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

سألها الأب
كيف عرفت أنه قوي؟
قالت
رفع وحده صخرة لا يرفعها غير عدد رجال.
سألها
وكيف عرفت أنه أمين؟
قالت
رفض أن يسير خلفي وسار أمامي
حتى لا ينظر إلي وأنا أمشي
وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضع عينيه
في الأرض حياء وأدبا

وعاد الشيخ لموسى عليه السلام
وقال له
أريد يا موسى أن أزوجك إحدى ابنتي
على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات

فإن أتممت عشر سنوات
فمن كرمك
لا أريد أن أتعبك
(سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)

قال موسى عليه السلام هذا اتفاق بيني وبينك
والله شاهد على اتفاقنا
سواء قضيت السنوات الثمانية
أو العشر سنوات فأنا حر بعدها في الذهاب

يخوض الكثيرون في تيه من الأقاصيص والروايات حول أي ابنتي الشيخ تزوج
وأي المدتين قضى
والثابت أن موسى عليه السلام
تزوج إحدى ابنتي الشيخ
لا نعرف من كانت
ولا ماذا كان اسمها
وهذه الأمور سكت عنها السياق القرآني
إلا أنه استنادا إلى طبيعة موسى عليه السلام
وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم
نرى أنه قضى الأجل الأكبر
وهذا ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما
وهكذا عاش موسى عليه السلام يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة
وكان عمل موسى عليه السلام
ينحصر في الخروج مع الفجر
كل يوم لرعي الأغنام والسقاية لها

ولنقف هنا وقفة تدبر

إن قدرة الإلهية نقلت خطى موسى عليه السلام
خطوة بخطوة
منذ أن كان رضيعا في المهد حتى هذه اللحظة
ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون
وألقت عليه محبة زوجة فرعون لينشأ
في كنف عدوّه
ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها
ليقتل نفسا
وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون
ليحذره وينصحه بالخروج من مصر
وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر
إلى مدين وهو وحيد مطارد من غير زاد
ولا استعداد
وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر
ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.
هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه
قبل النداء والتكليف
تجربة الرعاية والحب والتدليل
تجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس
وتجربة الندم والاستغفار
وتجربة الخوف والمطاردة
وتجربة الغربة والوحدة والجوع
وتجربة الخدمة ورغي الغنم بعد حياة القصور
وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من تجارب صغيرة
ومشاعر وخواطر
وإدراك ومعرفة إلى جانب ما آتاه الله
حين بلغ أشده من العلم والحكمة

إن الرسالة تكليف ضخم شاق
يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة


إلى جانب وحي الله وتوجيهه
ورسالة موسى عليه السلام تكليف عظيم
فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر
أعتى ملوك الأرض في زمانه
وأشدهم استعلاء في الأرض
وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس
الذل حتى استمرأوا مذاقه
فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.
فتجربة السنوات العشر جاءت لتفصل بين حياة القصور
التي نشأ فيها موسى عليه السلام
وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة
فلحياة القصور جوا وتقاليد خاصة
أما الرسالة فهي معاناة لجماهير من الناس
فيهم الغني والفقير، المهذب والخشن، القوي
والضعيف وفيهم وفيهم.
وللرسالة تكاليفها من المشقة ومن التجرد أحيانا
وقلوب أهل القصور في الغالب
لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة.
فلما استكملت نفس موسى عليه السلام تجاربها
وأكملت مرانها بهذه التجربة الأخيرة

ترى أي خاطر راود موسى عليه السلام
فعاد به إلى مصر بعد انقضاء الأجل
وقد خرج منها خائفا يترقب
وأنساه الخطر الذي ينتظره بها
وقد قتل فيها نفسا
وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ
من قومه ليقتلوه
إنها قدرة الله التي تنقل خطاه كلها.
لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة والوطن
وأنسته الخطر الذي خرج هاربا منه وحيدا طريدا
ليؤدي المهمة التي خلق لها

خرج موسى مع أهله وسار

اختفى القمر وراء أسراب من السحاب الكثيف
وساد الظلام
اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء
وزادت حدة البرد والظلام
وتاه موسى عليه السلام أثناء سيره
ووقف موسى حائرا يرتعش من البرد وسط أهله..
ثم رفع رأسه فشاهد نارا عظيمة تشتعل عن بعد
امتلأ قلبه بالفرح فجأة
قال لأهله
أني رأيت نارا هناك.
أمرهم أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب إلى النار
لعله يأتيهم منها بخبر
أو يجد أحدا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه
أو يحضر إليهم بعض أخشابها المشتعلة لتدفئتهم.
وتحرك موسى عليه السلام نحو النار.
سار موسى مسرعا ليدفئ نفسه
يده اليمنى تمسك عصاه
جسده مبلل من المطر
ظل يسير حتى وصل إلى واد يسمونه طوى.
لاحظ شيئا غريبا في هذا الوادي
لم يكن هناك برد ولا رياح
ثمة صمت عظيم ساكن
واقترب موسى من النار

لم يكد يقترب منها حتى نودي
(أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

نظر موسى في النار فوجد شجرة خضراء
كلما زاد تأجج النار زادت خضرة الشجرة
والمفروض أن تتحول الشجرة إلى اللون الأسود
وهي تحترق...
لكن النار تزيد واللون الأخضر يزيد
كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه
وكان الوادي الذي يقف فيه هو وادي طوى
ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة
والله عز وجل ينادي
يَا مُوسَى
فأجاب موسى
نعم.
قال الله عز وجل
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
ازداد ارتعاش موسى
وقال نعم يا رب
قال الله عز وجل
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
انحنى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.
عاد الحق سبحانه وتعالى يقول
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى
زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الوحي الإلهي ويستمع إلى ربه وهو يخاطبه.
قال الرحمن الرحيم
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى

ازدادت دهشة موسى
إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاطبه
والله يعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه
لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه
لا شك أن هناك حكمة عليا لذلك
أجاب موسى
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا
وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى
قال الله عز وجل
أَلْقِهَا يَا مُوسَى

رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته
وفوجئ بأن العصا تتحول فجأة إلى ثعبان
عظيم الحجم هائل الجسم
وراح الثعبان يتحرك بسرعة
ولم يستطع موسى أن يقاوم خوفه
أحس أن بدنه يتزلزل من الخوف
فاستدار موسى فزعا وبدأ يجري
لم يكد يجري خطوتين حتى ناداه الله
يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.

عاد موسى عليه السلام يستدير ويقف
لم تزل العصا تتحرك
لم تزل الحية تتحرك

قال الله سبحانه وتعالى لموسى
خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى

مد موسى يده للحية وهو يرتعش
لم يكد يلمسها حتى تحولت في يده إلى عصا

عاد الأمر الإلهي يصدر له
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
وضع موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا
هي تتلألأ كالقمر

زاد انفعال موسى عليه السلام بما يحدث
وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..
اطمأن موسى عليه السلام وسكت.
وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين

معجزة العصا
ومعجزة اليد

أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين
ويأمره أن يخرج بني إسرائيل من مصر
وأبدى موسى عليه السلام خوفه من فرعون
قال إنه قتل منهم نفسا ويخاف أن يقتلوه
توسل إلى الله أن يرسل معه أخاه هارون
طمأن الله موسى أنه سيكون معهما يسمع ويرى
وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء
أفهم الله موسى عليه السلام أنه هو الغالب
ودعا موسى عليه السلام
وابتهل إلى الله أن يشرح له صدره وييسر أمره
ويمنحه القدرة على الدعوة إليه
ثم راجع لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا
إلى فرعون
انحدر موسى عليه السلام بأهله قاصدا مصر.
جاءت الأوقات الصعبة
وها هو ذا موسى عليه السلام
يحمل أمانة الحق ويمضي ليواجه بها
بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم.
يعلم موسى عليه السلام
أن فرعون مصر طاغية
يعلم أنه سيقف من دعوته موقف الإنكار والكبرياء والتجاهل
لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون
أن يدعوه بلين ورفق إلى الله
أوحى الله لموسى عليه السلام
أن فرعون لن يؤمن
ليدعه موسى وشأنه
وليركز على إطلاق سراح بني إسرائيل
والكف عن تعذيبهم

قال تعالى لموسى وهارون
(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ)

هذه هي المهمة المحددة
وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات
إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم
ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به
ويستحيي نسائهم
ويذبح أبنائهم
ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر.
يعلم موسى عليه السلام
أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي
على استعباد بني إسرائيل واستغلال عملهم
وجهدهم وطاقاتهم في الدولة
فهل يفرط فرعون في بناء الدولة الأساسي ببساطة ويسر
ذهبت الأفكار وجاءت
فاختصرت مشقة الطريق
ورفع الستار عن مشهد المواجهة

البروفيسور
07-21-2013, 11:27 PM
الجزء الثاني


يتناول عوده موسى عليه السلام لمصر داعيا إلى الله وحده
والصراع بين موسى عليه السلام
وفرعون في مصر
وغرق فرعون وجنوده

مواجهة فرعون

واجه موسى عليه السلام فرعون بلين ورفق
كما أمره الله
حاول إيقاظ جوانبه الإنسانية في الحديث
استمع فرعون إلى حديث موسى عليه السلام


ثم سأل فرعون موسى عليه السلام
ماذا يريد
فأجاب موسى عليه السلام
أنه يريد أن يرسل معه بني إسرائيل
ويعجب فرعون وهو يرى موسى عليه السلام
يواجهه بهذه الدعوى العظيمة

ومن ثم بدأ فرعون يذكره بماضيه
يذكره بتربيته له فهل هذا جزاء التربية والكرامة
التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟
لتأتي الآن لتخالف ديننا
وتخرج على الملك الذي تربيت في قصره
وتدعوا إلى إله غيره
ويذكره بحادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم
فلا يتحدث عنها بصريح العبارة

وإنما يقول
(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ)
فعلتك البشعة الشنيعة
(وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)

برب العالمين الذي تقول به اليوم
فأنت لم تكن وقتها تتحدث عن رب العالمين
لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم
ولم تخطرنا بمقدمات هذا الأمر العظيم
وظن فرعون أنه رد على موسى عليه السلام
ردا لن يملك معه جوابا
إلا أن الله استجاب لدعاء موسى من قبل

فانطلق لسانه
(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)

فعلت تلك الفعلة وأنا بعد جاهل
أندفع اندفاع العصبية لقومي
لا اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم

(فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ)

على نفسي
فقسم الله لي الخير فوهب لي الحكمة

(وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ)

ويكمل موسى خطابه لفرعون بنفس القوة

(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ)


فما كانت تربيتي في بيتك وليدا
إلا من جراء استعبادك لبني إسرائيل
وقتل أبنائهم
مما دفع أمي لوضعي في التابوت
عند هذا الحد تدخل فرعون في الحديث..

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ
قال موسى عليه السلام
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ
التفت فرعون لمن حوله وقال هازئا
أَلَا تَسْتَمِعُونَ
قال موسى عليه السلام متجاوزا سخرية فرعون
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
قال فرعون مخاطبا من جاءوا مع موسى
من بني إسرائيل
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
عاد موسى عليه السلام يتجاوز اتهام فرعون
ويكمل
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ


نلاحظ أن فرعون لم يكن يسأل موسى عليه السلام
عن رب العالمين
أو رب موسى وهارون عليهم السلام
بقصد السؤال البريء والمعرفة
إنما كان يهزأ
ولقد أجابه موسى عليه السلام

إجابة جامعة مانعة محكمة
(قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)

هو الخالق
خالق الأجناس جميعا والذوات جميعا
وهو القابض على ناصيتها في كل حال

لم تؤثر هذه العبارة الرائعة والموجزة في فرعون

وها هو ذا يسأل
(فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى)
لم تعبد ربك هذا
لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه
ويرد موسى عليه السلام

هذه القرون الأولى
(عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ)
أحصى الله ما عملوه في كتاب

(لَّا يَضِلُّ رَبِّي)
أي لا يغيب عنه شيء
(وَلَا يَنسَى)

أي لا يغيب عن شيء
إن الله يعرف كل شيء ويسجل عليها ما عملته
ولا يضيع شيئا من أجورهم

ثم استلفت موسى عليه السلام نظر فرعون
إلى آيات الله في الكون ودار به مع حركة الرياح
والمطر والنبات وأوصله مرة ثانية إلى الأرض
وهناك افهمه أن الله خلق الإنسان من الأرض
وسيعيده إليها بالموت
ويخرجه منها بالبعث
إن هناك بعثا إذن
وسيقف كل إنسان يوم القيامة أمام الله تعالى
لا استثناء لأحد
سيقف كل عباد الله وخلقه أمامه يوم القيامة
بما في ذلك فرعون
بهذا جاء موسى عليه السلام مبشرا ومنذرا

لم يعجب فرعون هذا النذير
وتصاعد الحوار بينه وبين موسى عليه السلام
هاج فرعون على موسى عليه السلام وثار
وأنهى الحوار معه بالتهديد الصريح
وهذا هو سلاح الطغاة عندما يفتقرون
للحج والبراهين والمنطق

(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)

إلا أن موسى عليه السلام بدأ الإقناع بأسلوب جديد
و إظهار المعجزة

(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ)
فهو يتحدى فرعون
ويحرجه أمام ملأه
فلو رفض فرعون الإصغاء
سيظهر واضحا أنه خائف من حجة موسى

(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)

البروفيسور
07-21-2013, 11:28 PM
ألقى موسى عليه السلام
عصاه في ردهة القصر العظيمة
لم تكد العصا تلمس الأرض حتى تحولت
إلى ثعبان هائل يتحرك بسرعة
ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها
فإذا هي بيضاء كالقمر
وتبدأ الجولة الثانية بين الحق والباطل
حيث شاور فرعون الملأ من حوله فيما يجب فعله
والملأ لهم مصلحة في أن تبقى الأمور
على ما هي عليه
فهم مقربون من فرعون
ولهم نفوذ وسلطان
فأشاروا أن يرد على سحر موسى بسحر مثله
فيجمع السحرة لتحدي موسى وأخاه عليهم السلام
حدد الميقات، وهو يوم الزينة
وبدأت حركة إعداد الجماهير
وتحميسهم فدعوهم للتجمع وعدم التخلف عن الموعد
ليراقبوا فوز السحرة وغلبتهم على موسى عليه السلام
والجماهير دائما تتجمع لمثل هذه الأمور.

أما السحرة، فقد ذهبوا لفرعون ليطمئنون
على الأجر والمكافأة إن غلبوا موسى عليه السلام
وها هو فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر
يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه
وهو بزعمه الملك والإله

وفي ساحة المواجهة

والناس مجتمعون وفرعون ينظر
حضر موسى وأخاه هارون عليهما السلام
وحضر السحرة وفي أيديهم كل ما أتقنوه من ألعاب وحيل
وكلهم ثقة بفوزهم في هذا التحدي
لذا بدءوا بتخيير موسى


(إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى)
وتتجلى ثقة موسى عليه السلام
في الجانب الآخر واستهانته بالتحدي


(بَلْ أَلْقُوا)
فرمى السحرة عصيهم وحبالهم بعزة فرعون

(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ
إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ)

رمى السحرة بعصيهم وحبالهم فإذا المكان
يمتلئ بالثعابين فجأة


(سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)
وحسبنا أن يقرر القرآن الكريم أنه سحر عظيم

(وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)
لندرك أي سحر كان
وحسبنا أن نعلم أنهم

(سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ)
وأثاروا الرهبة في قلوبهم
(وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)
لنتصور أي سحر كان
فنظر موسى عليه السلام إلى حبال السحرة
وعصيهم وشعر بالخوف
في هذه اللحظة يذكّره ربّه بأن معه القوة الكبرى
فهو الأعلى ومعه الحق
أما هم فمعهم الباطل
معه العقيدة ومعهم الحرفة
معه الإيمان بصدق الذي دفعه لما هو فيه
ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة
موسى عليه السلام
متصل بالقوة الكبرى والسحرة يخدمون
مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا
لا تخف

(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ)
وستهزمهم
فهو سحر من تدبير ساحر وعمله
والساحر لا يفلح أنى ذهب وفي أي طريق سار
لأنه يعتمد على الخيال والإيهام والخداع
ولا يعتمد على حقيقة ثابتة باقية

اطمأن موسى عليه السلام ورفع عصاه وألقاها
لم تكد عصا موسى عليه السلام
تلامس الأرض حتى وقعت المعجزة الكبرى
وضخامة المعجزة حولت مشاعر ووجدان السحرة الذين
جاءوا للمباراة وهم أحرص الناس
على الفوز لنيل الأجر
الذي بلغت براعتهم لحد أن يشعر
موسى عليه السلام بالخوف
من عملهم
تحولت مشاعرهم بحيث لم يسعفهم الكلام للتعبير

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)


إنه فعل الحق في الضمائر
ونور الحق في المشاعر
ولمسة الحق في القلوب المهيأة لتلقي الحق
والنور واليقين
إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم
ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه
وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى عليه السلام
فهم أعلم إن كان هذا من عمل بشر أو ساحر
هزت هذه المفاجأة العرش من تحته
مفاجأة استسلام السحرة
تسائل فرعون مستغربا


(آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ)
ويزيد في طغيانه فيقول


(إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا)

ويظل الطاغية يتهدد


(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)
ويتوعد

(لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)

البروفيسور
07-21-2013, 11:28 PM
لكن النفس البشرية حين تستيقن حقيقة الإيمان
تستعلي على قوة الأرض
وتستهين ببأس الطغاة

(قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ)

إنه الإيمان الذي لا يتزعزع ولا يخضع
ويعلن السحرة حقيقة المعركة

(وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا)

فلا يطلبون الصفح والعفو من عدوّهم
إنما يطلبون الثبات والصبر من ربهم

(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين)

فيقف الطغيان عاجزا أما هذا الوعي
وهذا الاطمئنان عاجزا عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل
من جديد...
فينفذ تهديده
ويصلبهم على جذوع النخل
وتبدأ جولة جديدة بين الحق والباطل
القوم من المصريين
يتآمرون ويحرضون فرعون على موسى عليه السلام
ومن آمن معه
ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم
وهم يرون الدعوة إلى ربوبية الله وحدة
إفسادا في الأرض
حيث يترتب عليها بطلان شرعية
حكم فرعون ونظامه كله
وقد كان فرعون يستمد قوته
من ديانتهم الباطلة
ففكر بوحشيته المعتادة وقرر

(قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)
(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

إلا أن قومه بدءوا يشتكون من العذاب
الذي حل بهم

(قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)

أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك
وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية
فيمضي النبي الكريم على نهجه
يذكرهم بالله ويعلق رجاءهم به
ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم
واستخلافهم في الأرض مع التحذير من فتنة الاستخلاف....
فاستخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم
فهو استخلاف للامتحان

(قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ
فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)

البروفيسور
07-21-2013, 11:29 PM
وينقلنا القرآن الكريم إلى فصل آخر
من قصة موسى عليه السلام
ومشهد آخر من مشاهد المواجهة بين الحق والباطل
حيث يحكي لما قصة تشاور فرعون مع الملأ
في قتل موسى عليه السلام



(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ
أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)


أما موسى عليه السلام فالتجأ إلى الركن الركين
والحصن الحصين
ولاذ بحامي اللائذين
ومجير المستجيرين


(وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم
مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)


موقف الرجل المؤمن من آل فرعون
كادت فكرة فرعون أن تحصل على التصديق
لولا رجل من آل فرعون
رجل من رجال الدولة الكبار
لا يذكر القرآن اسمه
إنما ذكر القرآن أنه رجل مؤمن
ذكره بالصفة التي لا قيمة لأي صفة بعدها.
تحدث هذا الرجل المؤمن
وكان
(يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)
تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه
فكرة قتل موسى وأثبت عقم الفكرة وسطحيتها
قال إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه
وجاء بعد ذلك بالأدلة الواضحة على كونه رسولا
وهناك احتمالان لا ثالث لهما
أن يكون موسى كاذبا
أو يكون صادقا
فإذا كان كاذبا
(فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)
وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله
وإذا كان صادقا وقتلناه
فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به
تحدث المؤمن الذي يكتم إيمانه
فقال لقومه
إننا اليوم في مراكز الحكم والقوة
من ينصرنا من بأس الله إذا جاء
ومن ينقذنا من عقوبته إذا حلت
إن إسرافنا وكذبنا قد يضيعنا
وبدت كلماته مقنعة
إنه رجل ليس متهما في ولائه لفرعون
وهو ليس من أتباع موسى عليه السلام
والمفروض أنه يتكلم بدافع الحرص على عرش فرعون.
ولا شيء يسقط العروش كالكذب والإسراف
وقتل الأبرياء.
ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها
بالنسبة إلى فرعون ورجاله
رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون
قال فرعون كلمته


(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد)
(مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى)
هذا رأينا الخاص
وهو رأي يهديكم سبيل الرشاد
وكل رأي غيره خاطئ
وينبغي الوقوف ضده واستئصاله
لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد
قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن
وعاد الرجل المؤمن يتحدث
وأحضر لهم أدلة من التاريخ
أدلة كافية على صدق موسى عليه السلام
وحذّر من المساس به
لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها
فأهلكها الله قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود
ثم ذكّرهم بتاريخ مصر نفسه
ذكّرهم بيوسف عليه السلام حين جاء بالبينات
فشك فيه الناس ثم آمنوا به بعد أن كادت النجاة
ما الغرابة في إرسال الله للرسل
إن التاريخ القديم ينبغي أن يكون موضع نظر
كان حديث الرجل المؤمن ينطوي على عديد
من التحذيرات المخيفة
ويبدو أنه أقنع الحاضرين بأن
فكرة قتل موسى عليه السلام
فكرة غير مأمونة العواقب
وبالتالي فلا داعي لها
إلا أن الطاغية فرعون حاول مرة أخرى المحاورة والتمويه
كي لا يواجه الحق جهرة
ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه
وبعيد عن احتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه
فطلب أن يبنى له بناء عظيم
يصعد عليه ليرى إله موسى عليه السلام
الذي يدعيه
وبعيدا أن يكون جادا في البحث عن إله موسى
على هذا النحو المادي الساذج
وقد بلغ فراعنة مصر
من الثقافة حدا يبعد معه هذا التصور
وإنما هو الاستهتار والسخرية من جهة
والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى.
بعد هذا الاستهتار
وهذا الإصرار

ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صريحة



(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا
مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا
وَلَا فِي الْآخِرَةِ
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )

أنهى الرجل المؤمن حديثه بهذه الكلمات الشجاعة
بعدها انصرف.
فتحول الجالسون من موسى عليه السلام إليه
بدءوا يمكرون للرجل المؤمن
بدءوا يتحدثون عما صدر منه
فتدخلت عناية الله تعالى


(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ)
وأنجته من فرعون وجنوده
أما حال مصر في تلك الفترة
فلقد مضى فرعون
في تهديده فقتل الرجال واستحيا النساء
وظل موسى عليه السلام
وقومه يحتملون العذاب
ويرجون فرج الله ويصبرون على الابتلاء
وظل فرعون في ظلاله وتحدّيه
فتدخلت قوة الله سبحانه وتعالى
وشاء الله تعالى أن يشدد على آل فرعون
ابتلاء لهم وتخويفا
ولكي يصرفهم عن الكيد لموسى عليه السلام
ومن آمن معه
وإثباتا لنبوة موسى عليه السلام
وصدقه في الوقت نفسه
وهكذا سلط على المصريين أعوام الجدب
أجدبت الأرض وشح النيل ونقصت الثمار
وجاع الناس
واشتد القحط
لكن آل فرعون لم يدركوا العلاقة بين كفرهم
وفسقهم وبين بغيهم وظلمهم لعباد الله
فأخذوا يعللون الأسباب
فعندما تصيبهم حسنة
يقولون إنها من حسن حظهم وأنهم يستحقونها
وإن أصابتهم سيئة
قالوا هي من شؤم موسى عليه السلام
ومن معه عليهم
وأنها من تحت رأسهم
وأخذتهم العزة بالإثم فاعتقدوا
أن سحر موسى عليه السلام
هو المسئول عما أصابهم من قحط
وصور لهم حماقتهم أن هذا الجدب الذي أصاب أرضهم
آية جاء بها موسى ليسحرهم بها
فشدد الله عليهم لعلهم يرجعون إلى الله
فأرسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل
والضفادع، والدم.
ولا يذكر القرآن إن كانت جملة واحدة
أم واحدة تلو الأخرى
وتذكر بعض الروايات أنها جاءت متتالية
وحدة تلو الأخرى
إلا أن المهم هو طلب آل فرعون من موسى
أن يدعو لهم ربه لينقذهم من هذا البلاء


(قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ)

فكان موسى عليه السلام يدعو الله بأن يكشف
عنهم العذاب
وما أن ينكشف البلاء حتى ينقضون عهدهم
ويعودون إلى ما كانوا فيه

(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ
إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)
لم يهتد المصريون ولم يوفوا بعهودهم
بل على العكس من ذلك
خرج فرعون لقومه
وأعلن أنه إله
أليس له ملك مصر
وهذه الأنهار تجري من تحته
أعلن أن موسى عليه السلام ساحر كذاب
ورجل فقير لا يرتدي أسورة واحدة من الذهب
ويعبّر القرآن الكريم عن أمر فرعون وقومه

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)
استخف بعقولهم واستخف بحريتهم
واستخف بمستقبلهم
واستخف بآدميتهم فأطاعوه
أليست هذه طاعة غريبة
تنمحي الغرابة حين نعلم أنهم كانوا قوما فاسقين.
إن الفسق يصرف الإنسان عن الالتفات لمستقبله
ومصالحه وأموره
بدا واضحا أن فرعون لن يؤمن لموسى عليه السلام
ولن يكف عن تعذيبه لبني إسرائيل
ولن يكف عن استخفافه بقومه
هنالك دعا موسى وهارون عليهم السلام
على فرعون


(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا
وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ )

وأوحي إلى موسى عليه السلام
أن يخرج من مصر مع بني إسرائيل
وأن يكور رحيلهم ليلا
بعد تدبير وتنظيم لأمر الرحيل
ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده
وأمره أن يقوم قومه إلى ساحل البحر

(وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس
بمنطقة البحيرات)
وبلغت الأخبار فرعون أن موسى عليه السلام
قد صحب قومه وخرج
فأرسل أوامره في مدن المملكة لحشد جيش عظيم
ليدرك موسى عليه السلام وقومه
ويفسد عليهم تدبيرهم
أعلن فرعون التعبئة العامة
وهذا من شأنه أن يشكل صورة في الأذهان
أن موسى وقومه يشكلون خطرا
على فرعون وملكه فيكف يكون إلها
يخشى فئة صغيرا يعبدون إله آخر
لذلك كان لا بد من تهوين الأمر
وذلك بتقليل شأن قوم موسى وحجمهم


(إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)
لكننا نطاردهم لأنهم أغاظونا
وعلى أي حال
فنحن حذرون مستعدون ممسكون بزمام الأمور
وقف موسى عليه السلام
أمام البحر
وبدا جيش فرعون يقترب
وامتلأ قوم موسىعليه السلام بالرعب
كان الموقف حرجا وخطيرا
إن البحر أمامهم والعدو ورائهم وليس معهم
سفن أو أدوات لعبور البحر
كما ليست أمامهم فرصة واحدة للقتال
إنهم مجموعة من النساء والأطفال
والرجال غير المسلحين
سيذبحهم فرعون
صرخت بعض الأصوات من قوم موسى عليه السلام
سيدركنا فرعون

قال موسى عليه السلام
(كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

لم يكن يدري موسى عليه السلام
كيف ستكون النجاة
لكن قلبه كان ممتلئا بالثقة بربه
واليقين بعونه
والتأكد من النجاة
فالله هو اللي يوجهه ويرعاه
وفي اللحظة الأخيرة
يجيء الوحي من الله
(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ)

فضربه
فوقعت المعجزة
(فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)
وتحققه المستحيل في منطق الناس
لكن الله إن أراد شيئا قال له كن فيكون
ووصل فرعون إلى البحر
شاهد هذه المعجزة
شاهد في البحر طريقا يابسا يشقه نصفين
فأمر جيشه بالتقدم
وحين انتهى موسى عليه السلام
من عبور البحر
وأوحى الله إلى موسى أن يترك البحر
على حاله
(وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ)
وكان الله تعالى قد شاء إغراق فرعون
فما أن صار فرعون وجنوده في منتصف البحر
حتى أصدر الله أمره
فانطبقت الأمواج على فرعون وجيشه
وغرق فرعون وجيشه
غرق العناد ونجا الإيمان بالله
ولما عاين فرعون الغرق
ولم يعد يملك النجاة

(قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

سقطت عنه كل الأقنعة الزائفة
وتضائل
فلم يكتفي بأن يعلن إيمانه
بل والاستسلام أيضا

(وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
لكن بلا فائدة فليس الآن وقت اختيار
بعد أن سبق العصيان والاستكبار

(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
انتهى وقت التوبة المحدد لك وهلكت
انتهى الأمر ولا نجاة لك
سينجو جسدك وحده
لن تأكله الأسماك
ولين يحمله التيار بعيدا عن الناس
بل سينجو جسدك لتكون آية لمن خلفك

(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ )


أسدل الستار على طغيان فرعون
ولفظت الأمواج جثته إلى الشاطئ
بعد ذلك
نزل الستار تماما عن المصريين
لقد خرجوا يتبعون خطا موسى عليه السلام
وقومه ويقفون أثرهم
فكان خروجهم هذا هو الأخير
وكان إخراجا لهم من كل ما هم فيه
من جنات وعيون وكنوز
فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم
لا يحدثنا القرآن الكريم عما فعله من بقى من المصررين
في مصر بعد سقوط نظام الفرعون
وغرقه مع جيشه
لا يحدثنا عن ردود فعلهم بعد أن دمر الله
ما كان يصنع فرعون وقومه
وما كانوا يشيدون
يسكت السياق القرآني عنهم
ويستبعدهم تماما من التاريخ والأحداث

البروفيسور
07-21-2013, 11:34 PM
الجزء الثالث

يتناول حياة موسى عليه السلام
مع بني إسرائيل بعد غرق فرعون
والأحداث العظيمة التي حدثت أثناء ضياعهم في صحراء سيناء
هذا ما سنعرف في المشاركه القادمه ان شاء الله
في حفظ الله جميعاً

البروفيسور
07-21-2013, 11:49 PM
ثم تتداركه رحمة ربه من جديد
فيتلقى موسى عليه السلام البشرى
بشرى الاصطفاء
مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص

قال تعالى
(قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي
وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)

ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة

(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً
وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ)

ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة
وغايتها من بيان الله وشريعته
والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة
وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد!

عبادة العجل

انتهى ميقات موسى عليه السلام مع ربه تعالى
وعاد غضبان أسفا إلى قومه
فلقد أخبره الله أن قموه قد ضلّوا من بعده
وأن رجلا من بني إسرائيل يدعى السّامري
هو من أضلّهم
انحدر موسى عليه السلام من قمة الجبل
وهو يحمل ألواح التوراة قلبه يغلي بالغضب والأسف
نستطيع أن نتخيل انفعال موسى عليه السلام
وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.
لم يكد موسى عليه السلام
يغادر قومه إلى ميقات ربه
حتى وقعت فتنة السامري

وتفصيل هذه الفتنة

أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر
صحبوا معهم كثيرا من حلي المصريين وذهبهم
حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه
للتزين به وعندما أمروا بالخروج حملوه معهم
ثم قذفوها لأنها حرام
فأخذها السامري
وصنع منها تمثالا لعجل
وكان السامري فيما يبدو نحاتا محترفا
أو صائغا سابقا
فصنع العجل مجوفا من الداخل
ووضعه في اتجاه الريح
بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية
ويخرج من أنفه فيحدث صوتا
يشبه خوار العجول الحقيقية
ويقال إن سر هذا الخوار
أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب
سار عليه جبريل عليه السلام
حين نزل إلى الأرض في معجزة شق البحر
أي أن السامري أبصر بما لم يبصروا به
فقبض قبضة من أثر الرسول جبريل عليه السلام
فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل
وكان جبريل عليه السلام
لا يسير على شيء إلا دبت فيه الحياة
فلما أضاف السامري التراب إلى الذهب
ثم صنع منه العجل
خار العجل كالعجول الحقيقية
وهذه هي القصة التي قالها السامري
لموسى عليه السلام
بعد ذلك خرج السامري على بني إسرائيل
بما صنعه...

سألوه
ما هذا يا سامري؟
قال
هذا إلهكم وإله موسى
قالوا
لكن موسى ذهب لميقات إلهه.
قال السامري
لقد نسي موسى
ذهب للقاء ربه هناك
بينما ربه هنا.

وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب
وخرجت من فمه فخار العجل
وعبد بنو إسرائيل هذا العجل
لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة
كيف يمكن الاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة
لقد وقعت لهم معجزات هائلة
فكيف ينقلبون إلى عبادة الأصنام في لحظة
تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية القوم
الذين عبدوا العجل
إن كلمات الله لم تعدهم إلى الحق
كما أن المعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات
ظلوا داخل أعماقهم من عبدة الأوثان
كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء
ولهذا السبب انقلبوا إلى عبادة العجل.
وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام
يوما بأن بني إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب

انقسموا إلى قسمين

الأقلية المؤمنة أدركت أن هذا هراء
والأغلبية الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان
ووقف هارون عليه السلام
وسط قومه يعظهم
قال لهم
إنكم فتنتم به، هذه فتنة
استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله

ليس هذا ربكم ولا رب موسى
(وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)

البروفيسور
07-21-2013, 11:50 PM
عاد هارون عليه السلام
يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التي أنقذهم بها
وتكريمه ورعايته لهم
فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته
واستضعفوه وكادوا يقتلونه
وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله
حتى عودة موسى عليه السلام
كان واضحا أن هارون عليه السلام
أكثر لينا من موسى عليه السلام
لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته
وخشي هارون عليه السلام
أن يلجأ إلى القوة ويحطم لهم صنمهم
الذي يعبدونه فتثور فتنة بين القوم
فآثر هارون عليه السلام
تأجيل الموضوع إلى أن يحضر
موسى عليه السلام
كان يعرف أن موسى عليه السلام
بشخصيته القوية
يستطيع أن يضع حدا لهذه الفتنة
واستمر القوم يرقصون حول العجل
انحدر موسى عليه السلام
عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم
وهم يرقصون حول العجل
توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت
صرخ موسى عليه السلام

يقول
(بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ)

اتجه موسى عليه السلام
نحو هارون عليه السلام
وألقى ألواح التوراة من يده على الأرض
كان إعصار الغضب داخل موسى عليه السلام
يتحكم فيه تماما
مد موسى عليه السلام
يديه وأمسك هارون عليه السلام
من شعر رأسه وشعر لحيته
وشده نحوه وهو يرتعش

قال موسى عليه السلام
(يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي )

إن موسى عليه السلام
يتساءل هل عصى هارون عليه السلام أمره
كيف سكت على هذه الفتنة؟
كيف طاوعهم على البقاء معهم
ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟
كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟
إن الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما
زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى عليه السلام الغاضبة
وتحدث هارون إلى موسى.
رجا منه أن يترك رأسه ولحيته
بحق انتمائهما لأم واحدة
وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون
ذلك أدعى لاستثارة مشاعر الحنو في نفسه.
أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له
وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل
إنما خشي أن يتركهم ويمضي
فيسأله موسى عليه السلام
كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى عليه السلام
مسؤولا عنهم
وخشي لو قاومهم بعنف
أن يثير بينهم قتالا
فيسأله موسى عليه السلام
كيف فرق بينهم ولم ينتظر عودته.
أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه
وكادوا يقتلونه حين قاومهم
رجا منه أن يترك رأسه ولحيته
حتى لا يشمت به الأعداء
ويستخف به القوم زيادة على استخفافهم به
أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت
عن ظلمهم.
أدرك موسى عليه السلام
أنه ظلم هارون في غضبه الذي أشعلته غيرته
على الله تعالى وحرصه على الحق
أدرك أن هارون عليه السلام
تصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف

ترك رأسه ولحيته
واستغفر الله له ولأخيه

التفت موسى عليه السلام
لقومه وتساءل بصوت
لم يزل يضطرب غضبا

(يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا
أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ
غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي)

إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم
بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه
عاد موسى عليه السلام
يقول غاضبا أشد الغضب


(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ
مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)

لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب
حتى نكس القوم رءوسهم وأدركوا خطأهم
كان افتراؤهم واضحا على الحق
الذي جاء به موسى عليه السلام
أبعد كل ما فعله الله تعالى لهم
ينكفئون على عبادة الأصنام
أيغيب موسى عليه السلام
أربعين يوما ثم يعود ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب
أهذا تصرف قوم؟؟
عهد الله إليهم بأمانة التوحيد في الأرض
التفت موسى عليه السلام
إلى السامري بعد حديثه القصير
مع هارون عليه السلام
تحدث موسى عليه السلام
إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ

إنه يسأله عن قصته
ويريد أن يعرف منه
ما الذي حمله على ما صنع
قال السامري
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
رأيت جبريل وهو يركب فرسه
فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
أخذت حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل عليه السلام
وألقيتها على الذهب
فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
هذا ما ساقتني نفسي إليه.
لم يناقش موسى عليه السلام
السامري في ادعائه
إنما قذف في وجهه حكم الحق
ليس المهم أن يكون السامري قد رأى جبريل عليه السلام
فقبض قبضة من أثره
ليس المهم أن يكون خوار العجل
بسبب هذا التراب
الذي سار عليه فرس جبريل عليه السلام
أو يكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري
ليخور العجل
المهم في الأمر كله جريمة السامري
وفتنته لقوم موسى عليه السلام

هذه هي الجريمة التي حكم فيها موسى عليه السلام

(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ
لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا
لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ
ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)

حكم موسى عليه السلام
على السامري بالوحدة في الدنيا
يقول بعض المفسرين
إن موسى عليه السلام
دعا على السامري بأن لا يمس أحدا
معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي له مسه.
ونعتقد أن الأمر أخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة
إن السامري أراد بفتنته ضلال بني إسرائيل
وجمعهم حول عجله الوثني والسيادة عليهم
وقد جاءت عقوبته مساوية لجرمه
لقد حكم عليه بالنبذ والوحدة
هل مرض السامري مرضا جلديا
صار الناس يأنفون من لمسه
أو مجرد الاقتراب منه
هل جاءه النبذ من خارج جسده
لا نعرف ماذا كان من أمر الأسلوب
الذي تمت به وحدة السامري
ونبذ المجتمع له
كل ما نعرفه أن موسى عليه السلام
أوقع عليه عقوبة رهيبة
كان أهون منها القتل
فقد عاش السامري منبوذا محتقرا
لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولا يقترب منه مخلوق
هذه هي عقوبته في الدنيا
ويوم القيامة له عقوبة ثانية

نهض موسى عليه السلام

بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهب
وألقاه في النار
لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين
وإنما نسفه في البحر نسفا
تحول الإله المعبود أمام عيون المفتونين به
إلى رماد يتطاير في البحر

ارتفع صوت موسى عليه السلام
(إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)

هذا هو إلهكم
وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا
بعد أن نسف موسى الصنم
وفرغ من الجاني الأصلي
التفت إلى قومه
وحكم في القضية كلها فأفهمهم أنهم ظلموا أنفسهم
وترك لعبدة العجل مجالا واحدا للتوبة
وكان هذا المجال أن يقتل المطيع من بني إسرائي من عصى

قال تعالى
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ
فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ
عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم


كانت العقوبة التي قررها موسى عليه السلام
على عبدة العجل مهولة وتتفق مع الجرم الأصلي
إن عبادة الأوثان إهدار لحياة العقل وصحوته
وهي الصحوة التي تميز الإنسان عن غيره
من البهائم والجمادات
وإزاء هذا الإزهاق لصحوة العقل
تجيء العقوبة إزهاقا لحياة الجسد نفسه
فليس بعد العقل للإنسان حياة يتميز بها
ومن نوع الجرم جاءت العقوبة
جاءت قاسية ثم رحم الله تعالى وتاب
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم
أخيرا سَكَتَ عَن مُّوسَى عليه السلام الْغَضَبُ
تأمل تعبير القرآن الكريم الذي يصور الغضب
في صورة كائن يقود تصرفات موسى
ابتداء من إلقائه لألواح التوراة
وشده للحية أخيه ورأسه
وانتهاء بنسف العجل في البحر
وحكمه بالقتل على من اتخذوه ربا
التفت موسى عليه السلام
إلى مهمته الأصلية حين زايله غضبه
فتذكر أنه ألقى ألواح التوراة
وعاد موسى عليه السلام
يأخذ الألواح ويعاود دعوته إلى الله.

البروفيسور
07-22-2013, 12:29 AM
عاد موسى عليه السلام إلى هدوئه
واستأنف جهاده في الله
وقرأ ألواح التوراة على قومه
أمرهم في البداية أن يأخذوا بأحكامها بقوة وعزم
ومن المدهش أن قومه ساوموه على الحق.
قالوا
انشر علينا الألواح فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة
قبلناها
فقال موسى عليه السلام
بل اقبلوها بما فيها
فراجعوا مرارا فأمر الله تعالى ملائكته فرفعت الجبل
على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة فوقهم
وقيل لهم
إن لم تقبلوها بما فيها سقط ذلك الجبل عليكم
فقبلوا بذلك
وأمروا بالسجود فسجدوا
وضعوا خدودهم على الأرض وراحوا ينظرون إلى الجبل
فوقهم هلعا ورعبا
وهكذا أثبت قوم موسى عليه السلام
أنهم لا يسلمون وجوههم لله إلا إذا لويت أعناقهم
بمعجزة حسية باهرة تلقي الرعب في القلوب
وتنثني الأقدام نحو سجود قاهر يدفع الخوف إليه دفعا
وهكذا يساق الناس بالعصا الإلهية إلى الإيمان
يقع هذا في ظل غياب الوعي والنضج الكافيين
لقيام الاقتناع العقلي.

اختيار سبعين رجلا لميقات الله

أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل
أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه اختار منهم سبعين رجلا
وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة
على من تركتم وراءكم من قومكم
صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم
خرج موسى عليه السلام
بهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى
دنا موسى عليه السلام من الجبل
وكلم الله تعالى موسى عليه السلام
وسمع السبعون موسى عليه السلام وهو يكلم ربه.

ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الأخير

وتكون كافية لحمل الإيمان إلى القلوب مدى الحياة
غير أن السبعين المختارين لم يكتفوا
بما استمعوا إليه من المعجزة إنما طلبوا رؤية الله تعالى
قالوا سمعنا ونريد أن نرى

قالوا لموسى عليه السلام ببساطة
(يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)

هي مأساة تثير أشد الدهشة
وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوب واستمساكها بالحسيات والماديات
كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة
أخذتهم رجفة مدمرة صعقت أرواحهم وأجسادهم على الفور
ماتوا....
أدرك موسى عليه السلام
ما أحدثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربه
ويناشده أن يعفو عنهم ويرحمهم
وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم
وليس طلبهم رؤية الله تبارك وتعالى
وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب
غير سفاهة كبرى
سفاهة لا يكفر عنها إلا الموت.
ووقف موسى عليه السلام
يدعو ربه ويستعطفه ويترضاه..

يحكي المولى عز وجل دعاء موسى عليه السلام
بالتوبة على قومه في سورة الأعراف


(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا
إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء
أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ
وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ
الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )

هذه كانت كلمات موسى عليه السلام
لربه وهو يدعوه ويترضاه
ورضي الله تعالى عنه وغفر لقومه فأحياهم بعد موتهم
واستمع المختارون في هذه اللحظات الباهرة من تاريخ الحياة
إلى النبوءة بمجيء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم

البروفيسور
07-22-2013, 12:29 AM
نزول المن والسلوى

سار موسى عليه السلام بقومه في سيناء
وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس
وليس فيها طعام ولا ماء
وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام
والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة
وتفرزها بعض أشجار الفاكهة
وساق الله إليهم السلوى
وهو نوع من أنواع الطيور
يقال إنه (السمان)
وحين اشتد بهم الظمأ إلى الماء
وسيناء مكان يخلو من الماء
ضرب لهم موسى عليه السلام
بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
من المياه وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12 سبطا
فأرسل الله المياه لكل مجموعة
ورغم هذا الإكرام والحفاوة
تحركت في النفوس التواءاتها المريضة
واحتج قوم موسى عليه السلام
بأنهم سئموا من هذا الطعام
واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس
وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية
وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى عليه السلام
أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة
وعاد موسى عليه السلام
يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم
وحنينهم لأيام هوانهم في مصر
وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام
وأكرمه ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه
السير باتجاه بيت المقدس
سار موسى عليه السلام
بقومه في اتجاه البيت المقدس
أمر قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها
وها قد جاء امتحانهم الأخير.
بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق
جاء دورهم ليحاربوا
بوصفهم مؤمنين
رفض قوم موسى عليه السلام
دخول الأراضي المقدسة
وحدثهم عن نعمة الله عليهم
كيف جعل فيهم أنبياء
وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون
وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.

وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال
قالوا
إن فيها قوما جبارين

ولن يدخلوا الأرض المقدسة
حتى يخرج منها هؤلاء
وانضم لموسى وهارون عليهم السلام
اثنان من القوم
تقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف
لم يجد موسى عليه السلام
من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال
واصبح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم
بدخول الأرض والقتال

قال
إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر
ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا

يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم

مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم
قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم فسدت فطرتهم
وانهزموا من الداخل
واعتادوا الذل
فلم يعد في استطاعتهم أن يحاربوا
وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا
على نبي الله موسى وربه

وقال قوم موسى عليه السلام له كلمتهم الشهيرة
(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)

هكذا بصراحة وبلا التواء.
أدرك موسى عليه السلام
أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء
عاد إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه
دعا موسى عليه السلام
على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم.

وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل

الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل
كان الحكم هو التيه أربعين عاما
حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة
ويولد بدلا منه جيل آخر

البروفيسور
07-22-2013, 12:31 AM
قصة البقرة

بدأت أيام التيه
بدأ السير في دائرة مغلقة
تنتهي من حيث تبدأ
وتبدأ من حيث تنتهي
بدأ السير إلى غير مقصد
ليلا ونهارا وصباحا ومساء
مكث موسى عليه السلام في قومه يدعوهم إلى الله
ويبدو أن نفوسهم كانت ملتوية بشكل
لا تخطئه عين الملاحظة
وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة
فإن الموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات
بينهم وبين موسى عليه السلام
كما أنه لم يكن يستوجب كل هذا التعنت
وأصل قصة البقرة أن قتيلا ثريا وجد يوما
في بني إسرائيل
واختصم أهله ولم يعرفوا قاتله
وحين أعياهم الأمر لجئوا لموسى عليه السلام
ليلجأ لربه
ولجأ لربه فأمره أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة
وكان المفروض هنا أن يذبح القوم أول بقرة تصادفهم
غير أنهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجة
اتهموا موسى عليه السلام
بأنه يسخر منهم ويتخذهم هزوا
واستعاذ موسى عليه السلام بالله أن يكون من الجاهلين
ويسخر منهم
أفهمهم أن حل القضية يكمن في ذبح بقرة.
إن الأمر هنا أمر معجزة
لا علاقة لها بالمألوف في الحياة
أو المعتاد بين الناس
ليست هناك علاقة بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل
في الجريمة الغامضة التي وقعت
لكن متى كانت الأسباب المنطقية هي التي تحكم
حياة بني إسرائيل
إن المعجزات الخارقة هي القانون السائد في حياتهم
وليس استمرارها في حادث البقرة أمرا
يوحي بالعجب أو يثير الدهشة.

لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل
ويعاود أمره أن يذبحوا بقرة
وتعود الطبيعة المراوغة لبني إسرائيل إلى الظهور
تعود اللجاجة والالتواء
فيتساءلون
أهي بقرة عادية كما عهدنا من هذا الجنس من الحيوان؟
أم أنها خلق تفرد بمزية
فليدع موسى ربه ليبين ما هي
ويدعو موسى عليه السلام
ربه فيزداد التشديد عليهم
وتحدد البقرة أكثر من ذي قبل
بأنها بقرة وسط
ليست بقرة مسنة
وليست بقرة فتية
بقرة متوسطة
إلى هنا كان ينبغي أن ينتهي الأمر
غير أن المفاوضات لم تزل مستمرة
ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي تحكم مائدة المفاوضات.
ما هو لون البقرة؟
لماذا يدعو موسى ربه ليسأله عن لون هذا البقرة
لا يراعون مقتضيات الأدب والوقار اللازمين
في حق الله تعالى وحق نبيه الكريم
وكيف أنهم ينبغي أن يخجلوا من تكليف
موسى عليه السلام بهذا الاتصال المتكرر
حول موضوع بسيط لا يستحق كل هذه اللجاجة
والمراوغة ويسأل موسى عليه السلام
ربه ثم يحدثهم عن لون البقرة المطلوبة
فيقول أنها بقرة صفراء
فاقع لونها تسر الناظرين

وهكذا حددت البقرة بأنها صفراء

ورغم وضوح الأمر، فقد عادوا إلى اللجاجة والمراوغة
فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه وآذوه
عادوا يسألون موسى أن يدعو الله ليبين ما هي
فإن البقر تشابه عليهم، وحدثهم موسى عن بقرة
ليست معدة لحرث ولا لسقي
سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها
بمعنى خالصة الصفرة
انتهت بهم اللجاجة إلى التشدي
وبدءوا بحثهم عن بقرة بهذه الصفات الخاصة

أخيرا وجدوها عند يتيم فاشتروها وذبحوها
وأمسك موسى عليه السلام جزء من البقرة

(وقيل لسانها)
وضرب به القتيل فنهض من موته
سأله موسى عليه السلام
عن قاتله فحدثهم عنه
(وقيل أشار إلى القاتل فقط من غير أن يتحدث)
ثم عاد إلى الموت
وشاهد بنو إسرائيل معجزة إحياء الموتى أمام أعينهم
استمعوا بآذانهم إلى اسم القاتل
انكشف غموض القضية التي حيرتهم زمنا
طال بسبب لجاجتهم وتعنتهم

ساعتها قالوا له
"الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ"

كأنه كان يلعب قبلها معهم
ولم يكن ما جاء هو الحق من أول كلمة لآخر كلمة
ثم انظر إلى ظلال السياق وما تشي به من ظلمهم

(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ)

ألا توحي لك ظلال الآيات بتعنتهم وتسويفهم
ومماراتهم ولجاجتهم في الحق
هذه اللوحة الرائعة تشي بموقف بني إسرائيل
على موائد المفاوضات
هي صورتهم على مائدة المفاوضات
مع نبيهم الكريم موسى عليه السلام

إيذاء بني إسرائيل لموسى عليه السلام

قاسى موسى عليه السلام
من قومه أشد المقاساة
وعانى عناء عظيما
واحتمل في تبليغهم رسالته ما احتمل في سبيل الله
ولعل مشكلة موسى عليه السلام الأساسية
أنه بعث إلى قوم طال عليهم العهد بالهوان والذل
وطال بقاؤهم في جو يخلو من الحرية
وطال مكثهم وسط عبادة الأصنام
ولقد نجحت المؤثرات العديدة المختلفة
في أن تخلق هذه النفسية الملتوية الخائرة المهزومة
التي لا تصلح لشيء
إلا أن تعذب أنبيائها ومصلحيها.
وقد عذب بنو إسرائيل موسى عليه السلام
عذابا نستطيع نحن أبناء هذا الزمان
أن ندرك وقعه على نفس موسى عليه السلام
النقية الحساسة الكريمة
ولم يقتصر العذاب على العصيان
والغباء والجهل وعبادة الأوثان
وإنما تعدى الأمر إلى إيذاء موسى عليه السلام في شخصه

قال تعالى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى
فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا )

البروفيسور
07-22-2013, 12:31 AM
فترة التيه

ولعل أعظم إيذاء لموسى عليه السلام
كان رفض بني إسرائيل القتال من أجل نشر
عقيدة التوحيد في الأرض
أو على أقل تقدير
السماح لهذه العقيدة أن تستقر على الأرض في مكان
وتأمن على نفسها
وتمارس تعبدها في هدوء
لقد رفض بنو إسرائيل القتال

وقالوا لموسى كلمتهم الشهيرة
(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)

وبهذه النفسية حكم الله عليهم بالتيه
وكان الحكم يحدد أربعين عاما كاملة
وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة
حتى فني جيل بأكمله
فنى الجيل الخائر المهزوم من الداخل

فقد مات موسى عليه الصلاة والسلام

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان قومه
يؤذونه في الله
قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.

مات هارون عليه السلام قبل موسى بزمن قصير
واقترب أجل موسى عليه الصلاة والسلام
وكان لم يزل في التيه

قال يدعو ربه
رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر.

أحب أن يموت قريبا من الأرض التي هاجر إليها
وحث قومه عليها
ولكنه لم يستطع
ومات في التيه
ودفن عند كثيب أحمر حدث عنه آخر أنبياء الله
في الأرض حين أسرى به
قال محمد صلى الله عليه وسلم
لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي
في قبره عند الكثيب الأحمر.

تروي الأساطير عديدا من الحكايات
حول موت موسى عليه السلام
لكننا لا نحب أن نخوض في هذه الروايات
حتى لا ننجرف وراء الإسرائيليات
التي دخلت بعض كتب التفسير

مات موسى عليه الصلاة والسلام في التيه
وتولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل

البروفيسور
07-22-2013, 12:32 AM
اكمال القصه

وعاد جبريل عليه السلام يقول له
إن لله عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك
تاقت نفس موسى عليه السلام
إلى زيادة العلم
وانعقدت نيته على الرحيل لمصاحبة هذا العبد العالم..
سأل كيف السبيل إليه..
فأمر أن يرحل
وأن يحمل معه حوتا في مكتل
أي سمكة في سلة..
وفي هذا المكان الذي ترتد فيه الحياة لهذا الحوت
ويتسرب في البحر
سيجد العبد العالم..
انطلق موسى طالب العلم ومعه فتاه..
وقد حمل الفتى حوتا في سلة..
انطلقا بحثا عن العبد الصالح العالم..
وليست لديهم أي علامة على المكان الذي يوجد فيه
إلا معجزة ارتداد الحياة للسمكة القابعة في السلة
وتسربها إلى البحر.
ويظهر عزم موسى عليه السلام
على العثور على هذا العبد العالم
ولو اضطره الأمر إلى أن يسير أحقابا وأحقابا
قيل أن الحقب عام
وقيل ثمانون عاما
على أية حال فهو تعبير عن التصميم
لا عن المدة على وجه التحديد
وصل الاثنان إلى صخرة جوار البحر..
رقد موسى عليه السلام واستسلم للنعاس
وبقي الفتى ساهرا..
وألقت الرياح إحدى الأمواج على الشاطئ
فأصاب الحوت رذاذ فدبت فيه الحياة

وقفز إلى البحر..
(فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)..

وكان تسرب الحوت إلى البحر علامة
أعلم الله بها موسى عليه السلام
لتحديد مكان لقائه بالرجل الحكيم الذي
جاء موسى عليه السلام
يتعلم منه
نهض موسى عليه السلام
من نومه فلم يلاحظ أن الحوت تسرب إلى البحر..
ونسي فتاه الذي يصحبه أن يحدثه عما وقع للحوت..
وسار موسى عليه السلام مع فتاه بقية يومهما
وليلتهما وقد نسيا حوتهما..

ثم تذكر موسى عليه السلام غداءه وحل عليه التعب..

(قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)..

ولمع في ذهن الفتى ما وقع.
وأخبر موسى عليه السلام بما وقع
واعتذر إليه بأن الشيطان أنساه أن يذكر له ما وقع
رغم غرابة ما وقع
فقد اتخذ الحوت

(سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)..

كان أمرا عجيبا ما رآه يوشع بن نون
لقد رأى الحوت يشق الماء فيترك علامة
وكأنه طير يتلوى على الرمال.

(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ)..

هذا ما كنا نريده..
إن تسرب الحوت يحدد المكان الذي سنلتقي
فيه بالرجل العالم..
ويرتد موسى عليه السلام
وفتاه يقصان أثرهما عائدين..
انظر إلى بداية القصة
وكيف تجيء غامضة أشد الغموض
مبهمة أعظم الإبهام
أخيرا وصل موسى عليه السلام
إلى المكان الذي تسرب منه الحوت..
وصلا إلى الصخرة التي ناما عندها
وتسرب عندها الحوت من السلة إلى البحر..
وهناك وجدا رجلا.

يقول البخاري إن موسى وفتاه
وجدا الخضر مسجى بثوبه..

وقد جعل طرفه تحت رجليه وطرف تحت رأسه.
فسلم عليه موسى عليه السلام
فكشف عن وجهه

وقال
هل بأرضك سلام..؟ من أنت؟
قال موسى أنا موسى.
قال الخضر موسى بني إسرائيل..
عليك السلام يا نبي إسرائيل.
قال موسى
وما أدراك بي..؟
قال الخضر
الذي أدراك بي ودلك علي..
ماذا تريد يا موسى..؟
قال موسى ملاطفا مبالغا في التوقير
(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)
قال الخضر
أما يكفيك أن التوراة بيديك..
وأن الوحي يأتيك..؟ يا موسى
(إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)
قال الخضر لموسى عليهما السلام
إن هناك شرطا يشترطه لقبول أن يصاحبه
موسى عليه السلام
ويتعلم منه هو ألا يسأله عن شيء حتى يحدثه هو عنه.. فوافق موسى عليه السلام
على الشرط وانطلقا..

انطلق موسى عليه السلام مع الخضر يمشيان على ساحل البحر..
مرت سفينة
فطلب الخضر وموسى من أصحابها أن يحملوهما
وفوجئ موسى حين رست السفينة
وغادرها أصحابها وركابها..
فوجئ بأن الخضر يتخلف فيها
لم يكد أصحابها يبتعدون حتى بدأ الخضر
يخرق السفينة..
فاستنكر موسى فعلة الخضر.
لقد حملنا أصحاب السفينة بغير أجر..
أكرمونا..
وها هو ذا يخرق سفينتهم ويفسدها..
كان التصرف من وجهة نظر موسى معيبا..
وغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه
كما حركته غيرته على الحق
فاندفع يحدث أستاذه ومعلمه

وقد نسي شرطه الذي اشترطه عليه
(قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)

وهنا يلفت العبد الرباني نظر موسى
إلى عبث محاولة التعليم منه
لأنه لن يستطيع الصبر عليه

(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)

ويعتذر موسى بالنسيان ويرجوه
ألا يؤاخذه وألا يرهقه

(قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)

سارا معا..
فمرا على حديقة يلعب فيها الصبيان..
حتى إذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم ناحية
واستسلم للنعاس..
فوجئ موسى بأن العبد الرباني يقتل غلاما..
ويثور موسى عليه السلام
سائلا عن الجريمة التي ارتكبها هذا الصبي ليقتله هكذا..
يعاود العبد الرباني
تذكيره بأنه أفهمه أنه لن يستطيع الصبر عليه

(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)..

ويعتذر موسى بأنه نسي
ولن يعاود الأسئلة وإذا سأله مرة أخرى
سيكون من حقه أن يفارقه

(قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا)

ومضى موسى مع الخضر..
فدخلا قرية بخيلة..
لا يعرف موسى لماذا ذهبا إلى القرية
ولا يعرف لماذا يبيتان فيها
نفذ ما معهما من الطعام
فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما..
وجاء عليهما المساء
وأوى الاثنان إلى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض..
جدار يتهاوى ويكاد يهم بالسقوط..
وفوجئ موسى بأن الرجل العابد
ينهض ليقضي الليل كله في إصلاح الجدار
وبنائه من جديد..
ويندهش موسى من تصرف رفيقه ومعلمه
إن القرية بخيلة
لا يستحق من فيها هذا العمل المجاني

(قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)..

انتهى الأمر بهذه العبارة..
قال عبد الله لموسى عليه السلام

(هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)

لقد حذر العبد الرباني موسى السؤال.
وجاء دور التفسير الآن..
إن كل تصرفات العبد الرباني التي أثارت موسى
وحيرته لم يكن حين فعلها تصدر عن أمره..
كان ينفذ إرادة عليا..
وكانت لهذه الإرادة العليا حكمتها الخافية
وكانت التصرفات تشي بالقسوة الظاهرة
بينما تخفي حقيقتها رحمة حانية..
وهكذا تخفي الكوارث أحيانا في الدنيا جوهر الرحمة
وترتدي النعم ثياب المصائب وتجيد التنكر
وهكذا يتناقض ظاهر الأمر وباطنه
ولا يعلم موسى
رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الرباني
ولا يعلم العبد الرباني من علم الله إلا بمقدار
ما يأخذ العصفور الذي يبلل منقاره في البحر
من ماء البحر..
كشف العبد الرباني لموسى شيئين في الوقت نفسه..
كشف له أن علمه أي علم موسى محدود..
كما كشف له أن كثيرا من المصائب
التي تقع على الأرض تخفي في ردائها الأسود الكئيب رحمة عظمى.
إن أصحاب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم
مصيبة جاءتهم بينما هي نعمة تتخفى في زي المصيبة..
نعمة لن تكشف النقاب عن وجهها
إلا بعد أن تنشب الحرب ويصادر الملك كل السفن
الموجودة غصبا
ثم يفلت هذه السفينة التالفة المعيبة..
وبذلك يبقى مصدر رزق الأسرة عندهم كما هو
فلا يموتون جوعا.
أيضا سيعتبر والد الطفل المقتول
وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البريء..
غير أن موته يمثل بالنسبة لهما رحمة عظمى
فإن الله سيعطيهما بدلا منه غلاما
يرعاهما في شيخوختهما
ولا يرهقهما طغيانا وكفرا كالغلام المقتول.
وهكذا تختفي النعمة في ثياب المحنة
وترتدي الرحمة قناع الكارثة
ويختلف ظاهر الأشياء عن باطنها حتى ليحتج نبي الله موسى عليه السلام
إلى تصرف يجري أمامه
ثم يستلفته عبد من عباد الله إلى حكمة التصرف
ومغزاه ورحمة الله الكلية
التي تخفي نفسها وراء أقنعة عديدة.
أما الجدار الذي أتعب نفسه بإقامته
من غير أن يطلب أجرا من أهل القرية
كان يخبئ تحته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين
في المدينة ولو ترك الجدار ينقض
لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران
أن يدفعا عنه..
ولما كان أبوهما صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه
في طفولتهما وضعفهما
فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما
وهما قادران على حمايته
ثم ينفض الرجل يده من الأمر
فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف
وهو أمر الله لا أمره
فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة
وفيما قبلها
ووجهه إلى التصرف فيها
وفق ما أطلعه عليه من غيبه.

قال تعالى
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)




قارون وقوم موسى

يروي لنا القرآن قصة قارون
وهو من قوم موسىعليه السلام
لكن القرآن لا يحدد زمن القصة ولا مكانها
فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسىع ليه السلام
في مصر قبل الخروج؟
أو وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟
أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟
وبعيدا عن الروايات المختلفة
نورد القصة كما ذكرها القرآن الكريم.
يحدثنا الله عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى
إن مفاتيح الحجرات التي تضم الكنوز
كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء
ولو عرفنا عن مفاتيح الكنوز هذه الحال
فكيف كانت الكنوز ذاتها؟!
لكن قارون بغى على قومه بعد أن آتاه الله الثراء
ولا يذكر القرآن فيم كان البغي
ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور.
فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم.
وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال
حق الفقراء في أموال الأغنياء.
وربما بغى عليهم بغير هذه الأسباب.
ويبدو أن العقلاء من قومه نصحوه بالقصد والاعتدال
وهو المنهج السليم.
فهم يحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان
من هو المنعم بهذا المال
وينصحونه بالتمتع بالمال في الدنيا
من غير أن ينسى الآخرة
فعليه أن يعمل لآخرته بهذا المال
ويذكرونه بأن هذا المال هبة من الله وإحسان
فعليه أن يحسن ويتصدق من هذا المال
حتى يرد الإحسان بالإحسان
ويحذرونه من الفساد في الأرض، بالبغي
والظلم، والحسد، والبغضاء
وإنفاق المال في غير وجهه
أو إمساكه عما يجب أن يكون فيه
فالله لا يحب المفسدين.
فكان رد قارون جملة واحد تحمل شتى معاني الفساد
(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)
لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها
وفتنه المال وأعماه الثراء
فلم يستمع قارون لنداء قومه
ولم يشعر بنعمة ربه.
وخرج قارون ذات يوم على قومه
بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم
وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون
وأحسوا أنه في نعمة كبيرة
فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان
ويلكم أيها المخدوعون
احذروا الفتنة
واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة
وما عند الله خير مما عند قارون.
وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها
وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى
تتدخل القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة
وترحم الناس الضعاف من إغراءها
وتحطم الغرور والكبرياء
فيجيء العقاب حاسما
(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)
هكذا في لمحة خاطفة ابتلعته الأرض وابتلعت داره
وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد
ولا ينتصر بجاه أو مال.
وبدأ الناس يتحدثون إلى بعضهم البعض
في دهشة وعجب واعتبار
فقال الذين كانوا يتمنون أن عندهم
مال قارون وسلطانه وزينته وحظه في الدنيا
حقا إن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء
من عباده ويوسع عليهم
أو يقبض ذلك
فالحمد لله أن منّ علينا فحفظنا من الخسف والعذاب الأليم
إنا تبنا إليك سبحانك
فلك الحمد في الأولى والآخرة.

البروفيسور
07-22-2013, 12:32 AM
يوشع بن نون عليه السلام

ورد أنه الفتى الذي صاحب موسى عليه السلام
للقاء الخضر
وهو النبي الذي أخرج الله على يديه بني إسرائي
من صحراء سيناء
وحاربوا أهل فلسطين وانتصروا عليهم
سيرته
لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى.
سوى اثنين
هما الرجلان اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل
بدخول قرية الجبارين
ويقول المفسرون
إن أحدهما يوشع بن نون
وهذا هو فتى موسى عليه السلام
في قصته مع الخضر
صار الآن نبيا من أنبياء بني إسرائيل
وقائدا لجيش يتجه نحو الأرض التي أمرهم الله بدخولها
خرج يوشع بن نون ببني إسرائيل من التيه
بعد أربعين سنة
وقصد بهم الأرض المقدسة
كانت هذه الأربعين سنة كما يقول العلماء
كفيلة بأن يموت فيها جميع من
خرج مع موسى عليه السلام من مصر
ويبقى جيل جديد تربى على أيادي
موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام
جيل يقيم الصلا ويؤتي الزكاة ويؤمن بالله ورسله
قطع بهم نهر الأردن إلى أريحا،
وكانت من أحصن المدائن سورا
وأعلاها قصورا وأكثرها أهلا
فحاصرها ستة أشهر.
صدر الأمر الإلهي لبني إسرائيل أن يدخلوا المدينة سجدا..
أي راكعين مطأطئي رءوسهم شاكرين لله عز وجل
ما من به عليهم من الفتح
أمروا أن يقولوا حال دخولهم
(حِطَّةٌ)..
بمعنى حط عنا خطايانا التي سلفت
وجنبنا الذي تقدم من آبائنا.
إلا أن بني إسرائيل خالف ما أمرت به قولا وفعلا..
فدخلوا الباب متعالين متكبرين
وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم..
فأصابهم عذاب من الله بما ظلموا.
كانت جريمة الآباء هي الذل
وأصبحت جريمة الأبناء الكبرياء والافتراء.
ولم تكن هذه الجريمة هي أول جرائم بني إسرائيل
فقد عذبوا رسلهم كثيرا بعد موسى عليه السلام
وتحولت التوراة بين أيديهم إلى قراطيس
يبدون بعضها ويخفون كثيرا.
حسبما تقتضي الأحوال وتدفع المصلحة المباشرة
وكان هذا الجحود هو المسؤول
عما أصاب بني إسرائيل من عقوبات.
عاد بنو إسرائيل إلى ظلمهم لأنفسهم..
اعتقدوا أنهم شعب الله المختار
وتصوروا انطلاقا من هذا الاعتقاد
أن من حقهم ارتكاب أي شيء وكل شيء..
وعظمت فيهم الأخطاء وتكاثرت الخطايا
وامتدت الجرائم بعد كتابهم إلى أنبيائهم
فقتلوا من قتلوا من الأنبياء.
وسلط الله عليهم بعد رحمة الأنبياء قسوة الملوك الجبارين
يظلمونهم ويسفكون دمائهم
وسلط الله أعدائهم عليهم ومكن لهم من رقابهم وأموالهم
وكان معهم تابوت الميثاق
وهو تابوت يضم بقية مما ترك موسى وهارون
ويقال
إن هذا التابوت كان يضم ما بقي من ألواح التوراة
التي أنزلت على موسى عليه السلام
ونجت من يد الزمان
وكان لهذا التابوت بركة تمتد إلى حياتهم وحروبهم
فكان وجود التابوت بينهم في الحرب
يمدهم بالسكينة والثبات
ويدفعهم إلى النصر
فلما ظلموا أنفسهم ورفعت التوراة من قلوبهم
لم يعد هناك معنى لبقاء نسختها معهم
وهكذا ضاع منهم تابوت العهد
وضاع في حرب من حروبهم التي هزموا فيها.
وساءت أحوال بني إسرائيل بسبب ذنوبهم
وتعنتهم وظلمهم لأنفسهم
ومرت سنوات وسنوات

البروفيسور
07-22-2013, 12:33 AM
هارون عليه السلام

أخو موسى عليه السلام ورفيقه في دعوة فرعون
إلى الإيمان بالله لأنه كان فصيحا ومتحدثا
استخلفه موسى عليه السلام على قومه
عندما ذهب للقاء الله فوق جبل الطور
ولكن حدثت فتنة السامري الذي حول بني إسرائيل
إلى عبادة عجل من الذهب له خوار
فدعاهم هارون عليه السلام
إلى الرجوع لعبادة الله ولكنهم استكبروا
فلما رجع موسى عليه السلام
ووجد ما آل إليه قومه عاتب هارون عليه السلام
عتاباً شديداً

سيرته

لا يذكر الكثير عن سيرة هارون عليه السلام
إلا أن المعلوم هو أن الله أيد موسى بأخيه هارون
في دعوته فلقد كان هارون عليه السلام أفصح لسانا
وورد موقف موسى عليه السلام من أخيه
حين استخلفه على بني إسرائيل وذهب للقاء ربه
فعبدت بنو إسرائيل العجل الذي صنعه السامري
القصة مذكورة بتفاصيلها في قصة موسى عليه السلام

البروفيسور
07-25-2013, 12:14 AM
داود عليه السلام

‏‏آتاه الله العلم والحكمة وسخر له الجبال والطير
يسبحن معه وألان له الحديد
كان عبدا خالصا لله شكورا يصوم يوما
ويفطر يوما يقوم نصف الليل
وينام ثلثه ويقوم سدسه وأنزل الله عليه الزبور
وقد أوتي ملكا عظيما وأمره الله أن يحكم بالعدل.

حال بنو إسرائيل قبل داود عليه السلام

قبل البدء بقصة داود عليه السلام
لنرى الأوضاع التي عاشها بنو إسرائل في تلك الفترة
لقد انفصل الحكم عن الدين
وزاد طغيان بني إسرائيل
فكانوا يقتلون الأنبياء، نبيا تلو نبي
فسلط الله عليهم ملوكا منهم ظلمة جبارين
حتى انهم أضاعوا التابوت
وكان في التابوت بقية مما ترك آل موسى وهارون عليهم السلام
فقيل أن فيها بقية من الألواح التي أنزلها الله
على موسى عليه السلام وعصاه، وأمورا آخرى.
كان بنو إسرائيل يأخذون التابوت معهم
في معاركهم لتحل عليهم السكينة
ويحققوا النصر.


اختيار طالوت ملكا

ذهب بنو إسرائيل لنبيهم يوما..
سألوه: ألسنا مظلومين؟
قال: بلى..
قالوا: ألسنا مشردين؟
قال: بلى..
قالوا: ابعث لنا ملكا يجمعنا تحت رايته
كي نقاتل في سبيل الله ونستعيد أرضنا ومجدنا.
قال نبيهم وكان أعلم بهم
هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال؟
قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله
وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا؟
قال نبيهم
إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم.
قالوا
كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة
التي يخرج منها الملوك أبناء يهوذا
كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه؟
قال نبيهم
إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه.
قالوا
ما هي آية ملكه؟
قال لهم نبيهم
سيرجع لكم التابوت تحمله الملائكة.

ووقعت هذه المعجزة..
وعادت إليهم التوراة يوما..

ثم تجهز جيش طالوت
وسار الجيش طويلا حتى أحس الجنود بالعطش..
قال الملك طالوت لجنوده
سنصادف نهرا في الطريق
فمن شرب منه فليخرج من الجيش
ومن لم يذقه وإنما بل ريقه فقط فليبق معي في الجيش..
وجاء النهر فشرب معظم الجنود
وخرجوا من الجيش، وكان طالوت
قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود
ومن يعصاه، وليعرف أيهم قوي الإرادة ويتحمل العطش
وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة
لم يبق إلا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا
لكن جميعهم من الشجعان.
كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا
وكان جيش العدو كبيرا وقويا..
فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف
من جالوت وجيشه
وقالوا
كيف نهزم هذا الجيش الجبار..؟
قال المؤمنون من جيش طالوت
النصر ليس بالعدة والعتاد
إنما النصر من عند الله..
(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ)

وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه
وهو يطلب أحدا يبارزه..
وخاف منه جنود طالوت جميعا..
وهنا برز من جيش طالوت راعي غنم صغير
هو داود عليه السلام ..
كان داود مؤمنا بالله
وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية
في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح
ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل.
وكان الملك قد قال
من يقتل جالوت يصير قائدا على الجيش
ويتزوج ابنتي..
ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء..
كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار
وظالم ولا يؤمن بالله..
وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت..
وتقدم داود بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه
(وهو نبلة يستخدمها الرعاة)..
تقدم جالوت بالسلاح والدروع..
وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه
ووضع داود حجرا قويا في مقلاعه
وطوح به في الهواء وأطلق الحجر.
فأصاب جالوت فقتله.
وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت
على جيش جالوت.
جمع الله الملك والنبوة لداود
بعد فترة أصبح داود عليه السلم
ملكا لبني إسرائيل
فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى
لقد أكرم الله نبيه الكريم بعدة معجزات
لقد أنزل عليه الزبور
(وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)
وآتاه جمال الصوت، فكان عندما يسبّح
تسبح الجبال والطيور معه
والناس ينظرون
وألان الله في يديه الحديد
حتى قيل أنه كان يتعامل مع الحديد
فكان يصنع منه الدروع.
كانت الدروع الحديدية التي يصنعها
صناع الدروع ثقيلة
ولا تجعل المحارب حرا يستطيع أن يتحرك
كما يشاء أو يقاتل كما يريد.
فقام داوود عليه السلام
بصناعة نوعية جديدة من الدروع
درع يتكون من حلقات حديدية
تسمح للمحارب بحرية الحركة
وتحمي جسده من السيوف والفئوس والخناجر..
أفضل من الدروع الموجودة أيامها..
وشد الله ملك داود عليه السلام
جعله الله منصورا على أعدائه دائما..
وجعل ملكه قويا عظيما يخيف الأعداء حتى بغير حرب
وزاد الله من نعمه على داود
فأعطاه الحكمة وفصل الخطاب
أعطاه الله مع النبوة والملك حكمة
وقدرة على تمييز الحق من الباطل
ومعرفة الحق ومساندته..

القضايا التي عرضت على داود

يروي لنا القرآن الكريم بعضا من القضايا
التي وردت على داود عليه السلام.
فلقد جلس داود كعادته يوما يحكم بين الناس
في مشكلاتهم..
وجاءه رجل صاحب حقل ومعه رجل آخر..
وقال له صاحب الحقل
إن غنم هذا الرجل نزلت حقلي أثناء الليل
وأكلت كل عناقيد العنب التي كانت فيه..
وقد جئت إليك لتحكم لي بالتعويض..
قال داود عليه السلام لصاحب الغنم
هل صحيح أن غنمك أكلت حقل هذا الرجل؟
قال صاحب الغنم : نعم
قال داود عليه السلام
لقد حكمت بأن تعطيه غنمك بدلا من الحقل الذي أكلته.
قال سليمان..
وكان الله قد علمه حكمة تضاف إلى ما ورث
من والده عندي حكم آخر يا أبي..
قال داود: قله يا سليمان..
قال سليمان
أحكم بأن يأخذ صاحب الغنم حقل هذا الرجل
الذي أكلته الغنم..
ويصلحه له ويزرعه حتى تنمو أشجار العنب
وأحكم لصاحب الحقل أن يأخذ الغنم
ليستفيد من صوفها ولبنها ويأكل منه
فإذا كبرت عناقيد الغنم وعاد الحقل سليما
كما كان أخذ صاحب الحقل حقله
وأعطى صاحب الغنم غنمه..
قال داود عليه السلام
هذا حكم عظيم يا سليمان..
الحمد لله الذي وهبك الحكمة..

فتنة داود عليه السلام

وكان داود رغم قربه من الله وحب الله له
يتعلم دائما من الله
وقد علمه الله يوما ألا يحكم أبدا إلا إذا استمع
لأقوال الطرفين المتخاصمين..
فيذكر لنا المولى في كتابه الكريم
قضية أخرى عرضت على داود عليه السلام.
جلس داود عليه السلام
يوما في محرابه الذي يصلي لله ويتعبد فيه
وكان إذا دخل حجرته أمر حراسه ألا يسمحوا
لأحد بالدخول عليه أو إزعاجه وهو يصلي..
ثم فوجئ يوما في محرابه بأنه أمام اثنين من الرجال..
وخاف منهما داود لأنهما دخلا
رغم أنه أمر ألا يدخل عليه أحد.
سألهما داود عليه السلام من أنتما؟
قال أحد الرجلين
لا تخف بيني وبين هذا الرجل خصومة
وقد جئناك لتحكم بيننا بالحق.
سأل داود: ما هي القضية؟
قال الرجل الأول

(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ)

وقد أخذها مني
قال أعطها لي وأخذها مني..
وقال داود بغير أن يسمع رأي الطرف الآخر
وحجته

(لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)

وإن كثيرا من الشركاء يظلم بعضهم بعضا
إلا الذين آمنوا..
وفوجئ داود عليه السلام
باختفاء الرجلين من أمامه..
اختفى الرجلان
وأدرك داود أن الرجلين
ملكان أرسلهما الله إليه ليعلماه درسا..
فلا يحكم بين المتخاصمين
من الناس إلا إذا سمع أقوالهم جميعا
فربما كان صاحب التسع والتسعين نعجة معه الحق..
وخر داود راكعا، وسجد لله، واستغفر ربه..

وفاته عليه السلام

كان داود يصوم يوما ويفطر يوما..

قال رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم

"أفضل الصيام صيام داود
كان يصوم يوما ويفطر يوما
وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا
وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه
ويبكي ببكائه كل شيء
ويشفي بصوته المهموم والمحموم"..

جاء في الحديث الصحيح

أن داود عليه السلام كان شديد الغيرة على نساءه
فكانت نساءه في قصر
وحول القصر أسوار
حتى لا يقترب أحد من نساءه
وفي أحد الأيام رأى النسوة رجلا في صحن القصر
فقالوا
من هذا والله لن رآه داود ليبطشنّ به
فبلغ الخبر داود عليه السلام
فقال للرجل
من أنت؟ وكيف دخلت؟
قال: أنا من لا يقف أمامه حاجز
قال: أنت ملك الموت
فأذن له فأخذ ملك الموت روحه.
مات داود عليه السلام وعمره مئة سنة
فكان محبوبا جدا بين الناس
حتى قيل لم يمت في بني إسرائيل
بعد موسى وهارون أحد كان بنو إسرائيل
أشد جزعا عليه..
منهم على داود..
وآذت الشمس الناس فدعا سليمان الطير قال
أظلي على داود.
فأظلته حتى أظلمت عليه الأرض.
وسكنت الريح
وقال سليمان للطير
أظلي الناس من ناحية الشمس
وتنحي من ناحية الريح
وأطاعت الطير
فكان ذلك أول ما رآه الناس من ملك سليمان

البروفيسور
07-25-2013, 12:14 AM
في المشاركه القادمه ان شاء الله سوف نتحدث
عن سليمان عليه السلام
دمتم بخير

البروفيسور
07-25-2013, 12:15 AM
سليمان عليه السلام

آتاه الله العلم والحكمة
وعلمه منطق الطير والحيوانات وسخر له الرياح والجن
وكان له قصة مع الهدهد حيث أخبره
أن هناك مملكة باليمن يعبد أهلها الشمس
من دون الله فبعث سليمان عليه السلام
إلى ملكة سبأ يطلب منها الإيمان
ولكنها أرسلت له الهدايا فطلب من الجن
أن يأتوا بعرشها فلما جاءت ووجدت عرشها آمنت بالله

(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)

ورثه في النبوة والملك..
ليس المقصود وراثته في المال
لقد آتى الله سليمان عليه السلام ملكا عظيما
لم يؤته أحدا من قبله
ولن يعطه لأحد من بعده إلى يوم القيامة.
فقد استجاب الله تعالى لدعوة سليمان

(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي)

لنتحدث الآن عن بعض الأمور التي سخرها الله
لنبيه سليمان عليه السلام
لقد سخر له أمرا لم يسخره لأحد من قبله ولا بعده..
سخر الله له
"الجن"
فكان لديه عليه السلام القدرة على حبس الجن
الذين لا يطيعون أمره
وتقييدهم بالسلاسل وتعذيبهم.
ومن يعص سليمان يعذبه الله تعالى
لذلك كانوا يستجيبون لأوامره
فيبنون له القصور، والتماثيل
التي كانت مباحة في شرعهم
والأواني والقدور الضخمة جدا
فلا يمكن تحريكها من ضخامتها
وكانت تغوص له في أعماق البحار
وتستخرج اللؤلؤ والمرجان والياقوت..
وسخر الله لسليمان عليه السلام الريح
فكانت تجري بأمره.
لذلك كان يستخدمها سليمان في الحرب.
فكان لديه بساطا خشبيا ضخم جدا
وكان يأمر الجيش بأن يركب على هذا الخشب
ويأمر الريح بأن ترفع البساط وتنقلهم للمكان المطلوب
فكان يصل في سرعة خارقة.
ونختم هذه النعم بجيش سليمان عليه السلام

كان جيشه مكون من
البشر، والجن، والطيور.
فكان يعرف لغتها.

سليمان عليه السلام والخيل

بعد عرض نعم الله عليه
لنبدأ بقصته عليه السلام
وبعض أحداثها.
كان سليمان عليه السلام يحب الخيل كثيرا
خصوصا ما يسمى
(بالصافنات)
وهي من أجود أنواع الخيول وأسرعها
وفي يوم من الأيام
بدأ استعراض هذه الخيول أمام سليمان عصرا
وتذكر بعد الروايات أن عددها كان أكثر من عشرين ألف جواد
فأخذ ينظر إليها ويتأمل فيها
فطال الاستعراض
فشغله عن ورده اليومي في ذكر الله تعالى
حتى غابت الشمس
فانتبه وأنب نفسه لأن حبه لهذه الخيول
شغله عن ذكر ربه حتى غابت الشمس

(فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)

وجاءت هنا روايتان كلاهما قوي
رواية تقول أنه أخذ السيف وبدأ بضربها
على رقابها وأرجلها
حتى لا ينشغل بها عن ذكر الله
ورواية أخرى تقول أنه كان يمسح عليها
ويستغفر الله عز وجل
فكان يمسحها ليرى السقيم منها من الصحيح
لأنه كان يعدّها للجهاد في سبيل الله.

ويذكر لنا القرآن الكريم مواقف عدة

تتجلى لنا فيها حكمة سليمان عليه السلام
ومقدرته الفائقة على استنتاج الحكم الصحيح
في القضايا المعروضه عليه.
ومن هذه القصص ما حدث في زمن داود عليه السلام

قال تعالى
(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ
إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)


ويذكر لنا القرآن الكريم قصة عجيبة

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
حَـتَّى إِذا أتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ
ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا
وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)

يقول العلماء "ما أعقلها من نملة وما أفصحها"

(يَا) نادت (أَيُّهَا) نبّهت (ادْخُلُوا) أمرت، (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ) نهت
(سُلَيْمَانُ) خصّت (وَجُنُودُهُ) عمّت (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
اعتذرت

سمع سليمان عليه السلام
كلام النملة فتبسم ضاحكا من قولها..
ما الذي تتصوره هذه النملة!
رغم كل عظمته وجيشه فإنه رحيم بالنمل..
يسمع همسه وينظر دائما أمامه
ولا يمكن أبدا أن يدوسه..
وكان سليمان عليه السلام يشكر الله أن منحه هذه النعمة..
نعمة الرحمة ونعمة الحنو والشفقة والرفق.
سليمان عليه السلام وبلقيس ملكة سبأ:
جاء يوم.. وأصدر سليمان أمره لجيشه أن يستعد..
خرج سليمان يتفقد الجيش، ويستعرضه ويفتش عليه..
فاكتشف غياب الهدهد وتخلفه عن الوقوف مع الجيش
فغضب وقرر تعذيبه أو قتله
إلا إن كان لديه عذر قوي منعه من القدوم.
فجاء الهدهد ووقف على مسافة غير بعيدة عن سليمان
عليه السلام

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ
وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)

فقال الهدهد أن أعلم منك بقضية معينة
فجئت بأخبار أكيدة من مدينة سبأ باليمن
وذكر العرش هنا لأنه ذكر عرش بلقيس من قبل
فحتى لا يغترّ إنسان بعرشها
ذكر عرش الله سبحانه وتعالى
فتعجب سليمان من كلام الهدهد
فلم يكن شائعا أن تحكم المرأة البلاد
وتعجب من أن قوما لديهم كل شيء
ويسجدون للشمس
وتعجب من عرشها العظيم
فلم يصدق الهدهد ولم يكذبه إنما

(قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)

وهذا منتهى العدل والحكمة
ثم كتب كتابا وأعطاه للهدهد وقال له

(اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)

ألق الكتاب عليهم وقف في مكان بعيد
يحث تستطيع سماع ردهم على الكتاب.
يختصر السياق القرآني في سورة النمل
ما كان من أمر ذهاب الهدهد وتسليمه الرسالة
وينتقل مباشرة إلى الملكة
وسط مجلس المستشارين
وهي تقرأ على رؤساء قومها ووزرائها
رسالة سليمان عليه السلام ..

قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ )

هذا هو نص خطاب الملك سليمان عليه السلام لملكة سبأ..

البروفيسور
07-25-2013, 12:15 AM
إنه يأمر في خطابه أن يأتوه مسلمين..
هكذا مباشرة..
إنه يتجاوز أمر عبادتهم للشمس..
ولا يناقشهم في فساد عقيدتهم..
ولا يحاول إقناعهم بشيء..
إنما يأمر فحسب..
أليس مؤيدا بقوة تسند الحق الذي يؤمن به..؟
لا عليه إذن أن يأمرهم بالتسليم..
كان هذا كله واضحا من لهجة الخطاب القصيرة
المتعالية المهذبة في نفس الوقت..
طرحت الملكة على رؤساء قومها الرسالة..
وكانت عاقلة تشاورهم في جميع الأمور

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)

كان رد فعل الملأ وهم رؤساء قومها التحدي..
أثارت الرسالة بلهجتها المتعالية المهذبة غرور القوم
وإحساسهم بالقوة.
أدركوا أن هناك من يتحداهم
ويلوح لهم بالحرب والهزيمة ويطالبهم بقبول شروطه
قبل وقوع الحرب والهزيمة

(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ
إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)

أراد رؤساء قومها أن يقولوا
نحن على استعداد للحرب..
ويبدو أن الملكة كانت أكثر حكمة من رؤساء قومها..
فإن رسالة سليمان عليه السلام
أثارت تفكيرها أكثر مما استنفرتها للحرب..
فكرت الملكة طويلا في رسالة سليمان..
كان اسمه مجهولا لديها
لم تسمع به من قبل
وبالتالي كانت تجهل كل شيء عن قوته
ربما يكون قويا إلى الحد الذي يستطيع فيه
غزو مملكتها وهزيمتها.
ونظرت الملكة حولها فرأت تقدم شعبها وثراءه
وخشيت على هذا الثراء والتقدم من الغزو..
ورجحت الحكمة في نفسها على التهور
وقررت أن تلجأ إلى اللين
وترسل إليه بهدية..
وقدرت في نفسها أنه ربما يكون طامعا
قد سمع عن ثراء المملكة
فحدثت نفسها بأن تهادنه وتشتري السلام منه بهدية..
قدرت في نفسها أيضا إن إرسالها بهدية إليه
سيمكن رسلها الذين يحملون الهدية من دخول مملكته
وإذا سيكون رسلها عيونا في مملكته..
يرجعون بأخبار قومه وجيشه
وفي ضوء هذه المعلومات
سيكون تقدير موقفها الحقيقي منه ممكنا..
أخفت الملكة ما يدور في نفسها
وحدثت رؤساء قومها بأنها ترى استكشاف
نية الملك سليمان عليه السلام
عن طريق إرسال هدية إليه
انتصرت الملكة للرأي الذي يقضي بالانتظار
والترقب..
وأقنعت رؤساء قومها بنبذ فكرة الحرب مؤقتا
لأن الملوك إذا دخلوا قرية انقلبت أوضاعها وصار
رؤساءها هم أكثر من فيها تعرضا للهوان والذل..
واقتنع رؤساء قومها حين لوحت الملكة بما يتهددهم من أخطار..
وصلت هدية الملكة بلقيس إلى الملك
النبي سليمان عليه السلام ..
جاءت الأخبار لسليمان بوصول رسل بلقيس
وهم يحملون الهدية..
وأدرك سليمان عليه السلام
على الفور أن الملكة أرسلت رجالها ليعرفوا معلومات
عن قوته لتقرر موقفها بشأنه..
ونادى سليمان عليه السلام
في المملكة كلها أن يحتشد الجيش..
ودخل رسل بلقيس وسط غابة كثيفة مدججة بالسلاح..
فوجئ رسل بلقيس بأن كل غناهم وثرائهم
يبدو وسط بهاء مملكة سليمان..
وصغرت هديتهم في أعينهم.
وفوجئوا بأن في الجيش أسودا ونمورا وطيورا..
وأدركوا أنهم أمام جيش لا يقاوم..
ثم قدموا لسليمان هدية الملكة بلقيس على استحياء شديد.
وقالوا له نحن نرفض الخضوع لك
لكننا لا نريد القتال
وهذه الهدية علامة صلح بيننا ونتمنى أن تقبلها.
نظر سليمان إلى هدية الملكة وأشاح ببصره


(فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ
مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)

كشف الملك سليمان بكلماته القصيرة عن رفضه لهديتهم
وأفهمهم أنه لا يقبل شراء رضاه بالمال.
يستطيعون شراء رضاه بشيء آخر

(أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
ثم هددهم
(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا
وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)

وصل رسل بلقيس إلى سبأ..
وهناك هرعوا إلى الملكة وحدثوها أن بلادهم في خطر..
حدثوها عن قوة سليمان واستحالة صد جيشه..
أفهموها أنها ينبغي أن تزوره وتترضاه..
وجهزت الملكة نفسها وبدأت رحلتها نحو مملكة سليمان..
جلس سليمان في مجلس الملك وسط رؤساء قومه ووزرائه وقادة جنده وعلمائه..
كان يفكر في بلقيس..
يعرف أنها في الطريق إليه..
تسوقها الرهبة لا الرغبة..
ويدفعها الخوف لا الاقتناع..
ويقرر سليمان بينه وبين نفسه أن يبهرها بقوته
فيدفعها ذلك للدخول في الإسلام
فسأل من حوله
إن كان بإمكان احدهم ان يحضر له عرش بلقيس
قبل أن تصل الملكة لسليمان

البروفيسور
07-25-2013, 12:16 AM
فعرش الملكة بلقيس هو أعجب ما في مملكتها..
كان مصنوعا من الذهب والجواهر الكريمة
وكانت الحراسة لا تغفل عن العرش لحظة..
فقال أحد الجن أنا أستطيع إحضار العرش
قبل أن ينتهي المجلس وكان عليه السلام
يجلس من الفجر إلى الظهر
وأنا قادر على حمله وأمين على جواهره.
لكن شخص آخر يطلق عليه القرآن الكريم

"الذي عنده علم الكتاب"

قال لسليمان أنا أستطيع إحضار العرش
في الوقت الذي تستغرقه العين في الرمشة الواحدة.
واختلف العلماء في

"الذي عنده علم الكتاب"

فمنهم من قال أنه وزيره أو أحد علماء بني إسرائيل
وكان يعرف اسم الله الأعظم الذي
إذا دعي به أجاب.
ومنهم من قال أنه جبريل عليه السلام.
لكن السياق القرآني ترك الاسم
وحقيقة الكتاب غارقين في غموض كثيف مقصود..
نحن أمام سر معجزة كبرى
وقعت من واحد كان يجلس في مجلس سليمان..
والأصل أن الله يظهر معجزاته فحسب
أما سر وقوع هذه المعجزات فلا يديره إلا الله..
وهكذا يورد السياق القرآني القصة
لإيضاح قدرة سليمان الخارقة
وهي قدرة يؤكدها وجود هذا العالم في مجلسه.
هذا هو العرش ماثل أمام سليمان..
تأمل تصرف سليمان عليه السلام
بعد هذه المعجزة..
لم يستخفه الفرح بقدرته
ولم يزهه الشعور بقوته
وإنما أرجع الفضل لمالك الملك..
وشكر الله الذي يمتحنه بهذه القدرة
تأمل سليمان عليه السلام
عرش الملكة طويلا ثم أمر بتغييره
أمر بإجراء بعض التعديلات عليه
ليمتحن بلقيس حين تأتي
ويرى هل تهتدي إلى عرشها أم تكون من الذين لا يهتدون
كما أمر سليمان عليه السلام
ببناء قصر يستقبل فيه بلقيس
واختار مكانا رائعا على البحر وأمر ببناء القصر
بحيث يقع معظمه على مياه البحر
وأمر أن تصنع أرضية القصر من زجاج شديد الصلابة
وعظيم الشفافية في نفس الوقت
لكي يسير السائر في أرض القصر
ويتأمل تحته الأسماك الملونة وهي تسبح
ويرى أعشاب البحر وهي تتحرك.
تم بناء القصر
ومن فرط نقاء الزجاج الذي صنعت منه أرض حجراته
لم يكن يبدو أن هناك زجاجا
تلاشت أرضية القصر في البحر
وصارت ستارا زجاجيا خفيا فوقه.
يتجاوز السياق القرآني استقبال سليمان لها
إلى موقفين وقعا لها بتدبيره
الأول موقفها أمام عرشها الذي سبقها بالمجيء
وقد تركته وراءها وعليه الحراس.
والثاني موقفها أمام أرضية القصر البلورية الشفافة
التي تسبح تحتها الأسماك.
لما اصطحب سليمان عليه السلام بلقيس إلى العرش
نظرت إليه فرأته كعرشها تماما..
وليس كعرشها تماما..
إذا كان عرشها فكيف سبقها في المجيء..؟
وإذا لم يكن عرشها فكيف أمكن تقليده بهذه الدقة ..؟
قال سليمان وهو يراها تتأمل العرش
(أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟)
قالت بلقيس بعد حيرة قصيرة
(كَأَنَّهُ هُوَ!)
قال سليمان
(وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).
توحي عبارته الأخيرة إلى الملكة بلقيس
أن تقارن بين عقيدتها وعلمها
وعقيدة سليمان المسلمة وحكمته.
إن عبادتها للشمس
ومبلغ العلم الذي هم عليه
يصابان بالخسوف الكلي أمام علم سليمان وإسلامه.
لقد سبقها سليمان إلى العلم بالإسلام
بعدها سار من السهل عليه أن يسبقها في العلوم الأخرى
هذا ما توحي به كلمة سليمان لبلقيس..
أدركت بلقيس أن هذا هو عرشها
لقد سبقها إلى المجيء
وأنكرت فيه أجزاء وهي لم تزل تقطع الطريق لسليمان..
أي قدرة يملكها هذا النبي الملك سليمان؟!
انبهرت بلقيس بما شاهدته من إيمان سليمان وصلاته لله
مثلما انبهرت بما رأته من تقدمه في الصناعات والفنون والعلوم..
وأدهشها أكثر هذا الاتصال العميق بين إسلام سليمان
وعلمه وحكمته.
انتهى الأمر واهتزت داخل عقلها آلاف الأشياء..
رأت عقيدة قومها تتهاوى هنا أمام سليمان
وأدركت أن الشمس التي يعبدها قومها
ليست غير مخلوق خلقه الله تعالى وسخره لعباده
وانكسفت الشمس للمرة الأولى في قلبها
أضاء القلب نور جديد لا يغرب مثلما تغرب الشمس.
ثم قيل لبلقيس ادخلي القصر..
فلما نظرت لم تر الزجاج، ورأت المياه
وحسبت أنها ستخوض البحر
(وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا)
حتى لا يبتل رداؤها.
نبهها سليمان دون أن ينظر
ألا تخاف على ثيابها من البلل.
ليست هناك مياه
(إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ)..
إنه زجاج ناعم لا يظهر من فرط نعومته..
اختارت بلقيس هذه اللحظة لإعلان إسلامها..
اعترفت بظلمها لنفسها وأسلمت
(مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وتبعها قومها على الإسلام.
أدركت أنها تواجه أعظم ملوك الأرض
وأحد أنبياء الله الكرام.
يسكت السياق القرآني عن قصة بلقيس بعد إسلامها..
ويقول المفسرون أنها تزوجت سليمان بعد ذلك..
ويقال أنها تزوجت أحد رجاله..
أحبته وتزوجته
وثبت أن بعض ملوك الحبشة من نسل هذا الزواج..
ونحن لا ندري حقيقة هذا كله..
لقد سكت القرآن الكريم عن ذكر هذه التفاصيل
التي لا تخدم قصه سليمان..
ولا نرى نحن داعيا للخوض فيما لا يعرف أحد

البروفيسور
07-25-2013, 12:16 AM
هيكل سليمان عليه السلام

من الأعمال التي قام بها سليمان عليه السلام
إعادة بناء المسجد الأقصى الذي
بناه يعقوب عليه السلام
من قبل.
وبنى بجانب المسجد الأقصى
هيكلا عظيما كان مقدسا عند اليهود
ولا زالوا يبحثون عنه إلى اليوم.
وقد ورد في الهدي النبوي الكريم
أن سليمان عليه السلام
لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل ثلاثا فأعطاه الله اثنتين
ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة
سأله حكما يصادف حكمه
أي أحكاما عادلة كأحكام الله تعالى
فأعطاه إياه
وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه
وسأله أيما رجل خرج من بيته
لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد
خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه
وأسأل الله أن تكون لنا.
وقد تفننت التوراة في وصف الهيكل..
وهذا بعض ما ورد في التوراة عنه
كان هيكل سليمان في أورشليم
هو مركز العبادة اليهودية
ورمز تاريخ اليهود
وموضع فخارهم وزهوهم..
وقد شيده الملك سليمان عليه السلام
وأنفق ببذخ عظيم على بنائه وزخرفته..
فكان آية من آيات الدنيا في ذلك الزمان.
وامتدت يد الخراب إلى الهيكل مرات عديدة
إذ كان هدفا دائما للغزاة
والطامعين ينهبون ما به من كنوز
ثم يشيعون فيه الدمار
ثم قام أحد الملوك بتجديد بنائه
تحببا في اليهود..
فاستغرق بناء الهيكل هذه المرة 46 سنة
أصبح بعدها صرحا ضخما
تحيط به ثلاثة أسوار هائلة..
وكان مكونا من ساحتين كبيرتين
إحداهما خارجية والأخرى داخلية
وكانت تحيط بالساحة الداخلية أروقة شامخة
تقوم على أعمدة مزدوجة من الرخام
وتغطيها سقوف من خشب الأرز الثمين
وكانت الأروقة القائمة في الجهة الجنوبية
من الهيكل ترتكز على 162 عمودا
كل منها من الضخامة بحيث
لا يمكن لأقل من ثلاثة رجال متشابكي الأذرع
أن يحيطوا بدائرته..
وكان للساحة الخارجية من الهيكل
تسع بوابات ضخمة مغطاة بالذهب..
وبوابة عاشرة مصبوبة كلها على الرغم
من حجمها الهائل من نحاس كونثوس.
وقد تدلت فوق تلك البوابات
كلها زخارف على شكل عناقيد العنب الكبيرة المصنوعة
من الذهب الخالص
وقد استمرت هدايا الملوك للهيكل
حتى آخر زمانه
فكان يزخر بالكنوز التي لا تقدر بثمن..
وفاته عليه السلام
قدر الله تعالى عليه الموت فمات..
ومثلما كانت حياة سليمان عليه السلام
قمة في المجد الذي يمتلئ بالعجائب والخوارق..
كان موته آية من آيات الله تمتلئ بالعجائب والخوارق..
وهكذا جاء موته منسجما مع حياته
متسقا مع مجده
جاء نهاية فريدة لحياة فريدة وحافلة.
لقد قدر الله تعالى أن يكون موت سليمان عليه الصلاة والسلام
بشكل ينسف فكرة معرفة الجن للغيب..
تلك الفكرة التي فتن الناس بها
فاستقرت في أذهان بعض البشر والجن..
كان الجن يعملون لسليمان طالما هو حي..
فلما مات انكسر تسخيرهم له
وأعفوا من تبعة العمل معه..
وقد مات سليمان دون أن يعلم الجن
فظلوا يعملون له
وظلوا مسخرين لخدمته
ولو أنهم كانوا يعلمون الغيب
ما لبثوا في العذاب المهين.
كان سليمان عليه السلام
متكئا على عصاه يراقب الجن
وهم يعملون
فمات وهو على وضعه متكئا على العصا..
ورآه الجن فظنوا أنه يصلي واستمروا في عملهم ومرت أيام طويلة..
ثم جاءت دابة الأرض
وهي نملة تأكل الخشب..
وبدأت تأكل عصا سليمان عليه السلام ..
فأكلت جزء من العصا..
استمرت النملة تأكل العصا أياما..
كانت تأكل الجزء الملامس للأرض
فلما ازداد ما أكلته منها اختلت العصا
وسقطت من يد سليمان عليه السلام
اختل بعدها توازن الجسد العظيم
فهوى إلى الأرض..
ارتطم الجسد العظيم بالأرض
فهرع الناس إليه..
أدركوا أنه مات من زمن..
تبين الجن أنهم لا يعلمون الغيب..
وعرف الناس هذه الحقيقة أيضا..
لو كان الجن يعلمون الغيب
ما لبثوا في العذاب المهين
ما لبثوا يعملون وهم يظنون
بهذه النهاية العجيبة ختم الله حياة هذا النبي الملك

البروفيسور
07-25-2013, 12:16 AM
إلياس عليه السلام

أرسل إلى أهل بعلبك غربي دمشق فدعاهم
إلى عبادة الله وأن يتركوا عبادة الاصنام

قال تعالى
(وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ
أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ )

هذه الآيات هي كل ما يذكره الله تعالى
من قصة إلياس..
لذلك اختلف المؤرخون في نسبه
وفي القوم الذين أرسل إليهم..
فقال الطبري أنه إلياس بن ياسين بن فنحاص
بن العيزار بن هارون..
أما ابن كثير فيقول أن إلياس والياسين
اسمين لرجل واحد فالعرب تلحق النون
في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها

الروايات المختلفة حول دعوته

جاء في تاريخ الطبري عن ابن اسحق ما ملخصه
إن الياس عليه السلام لما دعا بني إسرائيل
الى نبذ عبادة الأصنام
والاستمساك بعبادة الله وحده رفضوه
ولم يستجيبوا له
فدعا ربه فقال
اللهم إن بني إسرائيل قد أبو إلا الكفر بك
والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمتك فأوحي الله إليه
إنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك فأنت الذي تأمر في ذلك
فقال إلياس عليه السلام
اللهم فأمسك عليهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين
حتى هلكت الماشية والشجر
وجهد الناس جهداً شديداً
وما دعا عليهم استخفي عن أعينهم
وكان يأتيه رزقه حيث كان فكان بنو إسرائيل
كلما وجدوا ربح الخبز في دار قالوا هنا إلياس فيطلبونه
وينال أهل المنزل منهم شر
وقد أوي ذات مرة إلى بيت امرأة من بنى إسرائيل لها
ابن يقال له اليسع بن خطوب به ضر فآوته
واخفت أمره.
فدعا ربه لابنها فعافاه من الضر الذي كان به
واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمة
فكان يذهب معه حيثما ذهب وكان إلياس
قد أسن وكبر
وكان اليسع غلاماً شاباً ثم إن إلياس
قال لبني إسرائيل إذا تركتم عبادة الأصنام
دعوات الله أن يفرج عنكم فأخرجوا أصنامهم
ومحدثاتهم فدعا الله لهم ففرج عنهم وأغاثهم
فحييت بلادهم ولكنهم لم يرجعوا
عما كانوا عليه ولم يستقيموا
فلما رأي إلياس منهم دعا ربه أن يقبضه إليه فقبضة ورفعه.

ويذكر ابن كثير

أن رسالته كانت لأهل بعلبك غربي دمشق
وأنه كان لهم صنم يعبدونه يسمي (بعلا)
وقد ذكره القرآن الكريم على لسان إلياس
حين قال لقومه
( أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ
وَاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)

ويذكر بعض المؤرخين أنه عقب انتهاء
ملك سليمان بن داود عليه السلام
انقسمت مملكة بن إسرائيل إلى قسمين
الأول
يخضع لملك سلالة سليمان
والثاني
يخضع لاحد أسباط افرايم بن يوسف الصديق
وقد تشتت دولة بنى إسرائيل بعد سليمان عليه السلام
بسبب اختلاف ملوكهم وعظمائهم على السلطة
وبسبب الكفر والضلال الذي انتشر بين صفوفهم
فأرسل إليهم إلياس عليه السلام الذي تحدثنا عن دعوته
فما توفي إلياس عليه السلام
أوحي الله تعالى إلى أحد الأنبياء
واسمه اليسع عليه السلام ليقوم في نبي إسرائيل
فيدعوهم إلى عبادة الله الواحد القهار.
وأرجح الآراء إن إلياس هو النبي المسمى إيليا في التوراة
والعلم عند الله

البروفيسور
07-25-2013, 12:17 AM
اليسع عليه السلام

ذكر في القرآن مرتين

قال تعالى
(وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ
وقال جل جلاله في سورة (الأنعام)
( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا
عَلَى الْعَالَمِينَ )

جاء في تاريخ الطبري حول ذكر نسبة
أنه اليسع بن أخطوب
ويقال أنه ابن عم إلياس النبي عليهما السلام
وذكر الحافظ ابن عساكر نسبة على الوجه الآتي
اسمه أسباط بن عدي بن شوتلم بن أفرائيم
بن يوسف الصديق عليه السلام
وهو من أنبياء بني إسرائيل
وقد أوجز القرآن الكريم عن حياته
فلم يذكر عنها شيئاً
وإنما اكتفى بعده في مجموعة الرسل الكرام
الذي يجب الإيمان بهم تفصيلاً
قام بتبليغ الدعوة بعد انتقال إلياس إلى جوار الله
فقام يدعو إلى الله مستمسكاً بمنهاج نبي الله إلياس
وشريعته
وقد كثرت في زمانه الأحداث والخطايا
وكثر الملوك الجبابرة
فقتلوا الأنبياء وشردوا المؤمنين
فوعظهم اليسع وخوفهم من عذاب الله
ولكنهم لم يأبهوا بدعوته
ثم توفاه الله وسلط على بني إسرائيل
من يسومهم سوء العذاب
كما قص علينا القرآن الكريم
ويذكر بعض المؤرخين
أن دعوته في مدينة تسعى بانياس إحدى مدن الشام
ولا تزال حتى الآن موجودة
وهي قريبة من بلدة اللاذقية والله أعلم.

عزير عليه السلام

من أنبياء بني إسرائيل
أماته الله مئة عام ثم بعثه
جدد الدين لبني إسرائيل وعلمهم التوراة
مرت الأيام على بني إسرائيل في فلسطين
وانحرفوا كثير عن منهج الله عز وجل
فأراد الله أن يجدد دينهم
بعد أن فقدوا التوراة ونسوا كثيرا من آياتها
فبعث الله تعالى إليهم عزيرا عليه السلام
أمر الله سبحانه وتعالى عزيرا عليه السلام
أن يذهب إلى قرية
فذهب إليها فوجدها خرابا
ليس فيها بشر.
فوقف متعجبا
كيف يرسله الله إلى قرية خاوية ليس فيها بشر.
وقف مستغربا
ينتظر أن يحييها الله وهو واقف
لأنه مبعوث إليها
فأماته الله مئة عام
قبض الله روحه وهو نائم
ثم بعثه
فاستيقظ عزيرعليه السلام من نومه.
فأرسل الله له ملكا في صورة بشر
(قَالَ كَمْ لَبِثْتَ)

فأجاب عزير
(قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)
نمت يوما أو عدة أيام على أكثر تقدير.
فرد الملك
(قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)
ويعقب الملك مشيرا إلى إعجاز الله عز وجل
(فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)
أمره بأن ينظر لطعامه الذي ظل بجانبه مئة سنة
فرآه سليما كما تركه
لم ينتن ولم يتغير طعمه او ريحه
ثم أشار له إلى حماره
فرآه قد مات وتحول إلى جلد وعظم
ثم بين له الملك السر في ذلك
(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ)
ويختتم كلامه بأمر عجيب
(وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا)
نظر عزير للحمار
فرأى عظامه تتحرك فتتجمع فتتشكل بشكل الحمار
ثم بدأ اللحم يكسوها
ثم الجلد ثم الشعر
فاكتمل الحمار أمام عينيه.

يخبرنا المولى بما قاله عزير في هذا الموقف
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

سبحان الله أي إعجاز هذا..
ثم خرج إلى القرية
فرآها قد عمرت وامتلأت بالناس.
فسألهم
هل تعرفون عزيرا؟
قالوا
نعم نعرفه
وقد مات منذ مئة سنة
فقال لهم
أنا عزير
فأنكروا عليه ذلك
ثم جاءوا بعجوز معمّرة
وسألوها عن أوصافه
فوصفته لهم فتأكدوا أنه عزير.
فأخذ يعلمهم التوراة
فبدأ الناس يقبلون عليه وعلى هذا الدين من جديد
وأحبوه حبا شديدا وقدّسوه للإعجاز
الذي ظهر فيه
حتى وصل تقديسهم له أن قالوا عنه أنه ابن الله

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ)

واستمر انحراف اليهود بتقديس عزير
واعتباره ابنا لله تعالى
ولا زالوا يعتقدون بهذا إلى اليوم
وهذا من شركهم لعنهم الله.

البروفيسور
07-25-2013, 12:17 AM
زكريا عليه السلام

عبد صالح تقي أخذ يدعو للدين الحنيف
كفل مريم العذراء
دعا الله أن يرزقه ذرية صالحة
فوهب له يحيى الذي خلفه في الدعوة
لعبادة الله الواحد القهار.

امرأة عمران

في ذلك العصر القديم..
كان هناك نبي..
وعالم عظيم يصلي بالناس..
كان اسم النبي زكريا عليه السلام..
أما العالم العظيم الذي اختاره الله للصلاة بالناس
فكان اسمه عمران عليه السلام.
وكان لعمران زوجته لا تلد..
وذات يوم رأت طائرا يطعم ابنه الطفل في فمه
ويسقيه..
ويأخذه تحت جناحه خوفا عليه من البرد..
وذكرها هذا المشهد بنفسها فتمنت على الله أن تلد..
ورفعت يديها تدعو خالقها أن يرزقها بطفل..
واستجابت لها رحمة الله
وملأها الفرح والشكر لله
فنذرت ما في بطنها محررا لله..
كان معنى هذا أنها نذرت لله
أن يكون ابنها خادما للمسجد طوال حياته..
يتفرغ لعبادة الله وخدمة بيته.

ولادة مريم

وجاء يوم الوضع ووضعت زوجة عمران بنتا
وفوجئت الأم
كانت تريد ولدا ليكون في خدمة المسجد والعبادة
فلما جاء المولود أنثى قررت الأم
أن تفي بنذرها لله برغم أن الذكر ليس كالأنثى.
سمع الله سبحانه وتعالى دعاء زوجة عمران
والله يسمع ما نقوله
وما نهمس به لأنفسنا
وما نتمنى أن نقوله ولا نفعله..
يسمع الله هذا كله ويعرفه..
سمع الله زوجة عمران
وهي تخبره أنها قد وضعت بنتا
والله أعلم بما وضعت
الله هو وحده الذي يختار نوع المولود
فيخلقه ذكرا أو يخلقه أنثى..
سمع الله زوجة عمران تسأله أن يحفظ هذه الفتاة
التي سمتها مريم
وأن يحفظ ذريتها من الشيطان الرجيم.

ويروي الإمام مسلم في صحيحه
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ
عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ
* مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ
فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ »
ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ
(وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)


كفالة زكريا عليه السلام لمريم
أثار ميلاد مريم بنت عمران
مشكلة صغيرة في بداية الأمر..
كان عمران قد مات قبل ولادة مريم..
وأراد علماء ذلك الزمان وشيوخه أن يربوا مريم..
كل واحد يتسابق لنيل هذا الشرف..
أن يربي ابنة شيخهم الجليل العالم
وصاحب صلاتهم وإمامهم فيها.

قال زكريا عليه السلام
أكفلها أنا..
هي قريبتي..
زوجتي هي خالتها..
وأنا نبي هذه الأمة
وقال العلماء والشيوخ
ولماذا لا يكفلها أحدنا..؟
لا نستطيع أن نتركك تحصل على هذا الفضل
بغير اشتراكنا فيه.

ثم اتفقوا على إجراء قرعة

أي واحد يكسب القرعة هو الذي يكفل مريم
ويربيها، ويكون له شرف خدمتها
حتى تكبر هي وهي تخدم المسجد وتتفرغ لعبادة الله
وأجريت القرعة..
وضعت مريم وهي مولودة على الأرض
ووضعت إلى جوارها أقلام الذين يرغبون في كفالتها
وأحضروا طفلا صغيرا
فأخرج قلم زكريا..
قال زكريا: حكم الله لي بأن أكفلها.
قال العلماء والشيوخ: لا..
القرعة ثلاث مرات.
وفي القرعة الثانية..
حفر كل واحد اسمه على قلم خشبي
وقالوا
نلقي بأقلامنا في النهر..
من سار قلمه ضد التيار وحده فهو الغالب.
وألقوا أقلامهم في النهر
فسارت أقلامهم جميعا مع التيار
ما عدا قلم زكريا..
سار وحده ضد التيار..
وظن زكريا أنهم سيقتنعون
لكنهم أصروا على أن تكون القرعة ثلاث مرات
قالوا
نلقي أقلامنا في النهر..
القلم الذي يسير مع التيار وحده يأخذ مريم
وألقوا أقلامهم فسارت جميعا ضد التيار
ما عدا قلم زكريا عليه السلام
وسلموا لزكريا عليه السلام
وأعطوه مريم ليكفلها..
وبدأ زكريا يخدم مريم
ويربيها ويكرمها حتى كبرت..
كان لها مكان خاص تعيش فيه في المسجد..
كان لها محراب تتعبد فيه..
وكانت لا تغادر مكانها إلا قليلا..
يذهب وقتها كله في الصلاة والعبادة..
والذكر والشكر والحب لله..
وكان زكريا يزورها أحيانا في المحراب..
وكان يفاجأه كلما دخل عليها أنه أمام شيء مدهش..
يكون الوقت صيفا فيجد عندها فاكهة الشتاء..
ويكون الوقت شتاء فيجد عندها فاكهة الصيف.
ويسألها زكريا من أين جاءها هذا الرزق..؟
فتجيب مريم: إنه من عند الله..
وتكرر هذا المشهد أكثر من مرة.
دعاء زكريا ربه
كان زكريا شيخا عجوزا ضعف عظمه
واشتعل رأسه بالشعر الأبيض
وأحس أنه لن يعيش طويلا..
وكانت زوجته وهي خالة مريم عجوزا مثله
ولم تلد من قبل في حياتها لأنها عاقر..
وكان زكريا يتمنى أن يكون له ولد يرث
علمه ويصير نبيا ويستطيع أن يهدي قومه
ويدعوهم إلى كتاب الله ومغفرته..
وكان زكريا لا يقول أفكاره هذه لأحد..
حتى لزوجته..
ولكن الله تعالى كان يعرفها قبل أن تقال..
ودخل زكريا ذلك الصباح على مريم في المحراب..
فوجد عندها فاكهة ليس هذا أوانها.

سألها زكريا
(قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا)
(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)

قال زكريا عليه السلام في نفسه
سبحان الله.. قادر على كل شيء..
وغرس الحنين أعلامه في قلبه وتمنى الذرية..
فدعا ربه
سأل زكريا خالقه بغير أن يرفع صوته
أن يرزقه طفلا يرث النبوة والحكمة والفضل والعلم..
وكان زكريا خائفا أن يضل القوم من بعده
ولم يبعث فيهم نبي..
فرحم الله تعالى زكريا واستجاب له
فلم يكد زكريا يهمس في قلبه بدعائه لله حتى نادته الملائكة
وهو قائم يصلي في المحراب

(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى
لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)

فوجئ زكريا بهذه البشرى..
أن يكون له ولد لا شبيه له أو مثيل من قبل..

(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)

(قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)

أن هذه مشيئة الله
وليس أمام مشيئة الله إلا النفاذ..
وليس هناك شيء يصعب على الله سبحانه وتعالى..
كل شيء يريده يأمره بالوجود فيوجد..
وقد خلق الله زكريا نفسه من قبل
ولم يكن له وجود..
وكل شيء يخلقه الله تعالى بمجرد المشيئة

(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)

امتلأ قلب زكريا بالشكر لله وحمده وتمجيده..
وسأل ربه أن يجعل له آية أو علامة
فأخبره الله أنه ستجيء عليه ثلاثة أيام
لا يستطيع فيها النطق..
سيجد نفسه غير قادر على الكلام..
إذا حدث له هذا أيقن أن امرأته حامل
وأن معجزة الله قد تحققت..
وعليه ساعتها أن يتحدث إلى الناس
عن طريق الإشارة..
وأن يسبح الله كثيرا في الصباح والمساء..
وخرج زكريا يوما على الناس
وقلبه مليء بالشكر..
وأراد أن يكلمهم فاكتشف أن لسانه لا ينطق..
وعرف أن معجزة الله قد تحققت..
فأومأ إلى قومه أن يسبحوا الله في الفجر والعشاء..
وهو يسبح الله في قلبه..
صلى لله شكرا على استجابته لدعوته
ومنحه يحيي..
ظل زكريا عليه السلام
يدعوا إلى ربه حتى جاءت وفاته.

البروفيسور
07-25-2013, 12:18 AM
يحيى عليه السلام

ابن نبي الله زكريا
استجابة لدعاء زكريا لله أن يرزقه الذرية الصالحة
فجعل آية مولده
أن لا يكلم الناس ثلاث ليال سويا
وقد كان يحيى نبيا وحصورا ومن الصالحين
كما كان بارا تقيا منذ صباه.

ذكر خبر ولادة يحيى عليه السلام في قصة

نبي الله زكريا عليه السلام
وقد شهد الحق عز وجل له أنه لم يجعل له
من قبل شبيها ولا مثيلا
وهو النبي الذي قال الحق عنه

(وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا)

ومثلما أوتي الخضر علما من لدن الله
أوتي يحيي حنانا من لدن الله
والعلم مفهوم
والحنان هو العلم الشمولي
الذي يشيع في نسيجه حب عميق للكائنات
ورحمة بها
كأن الحنان درجة من درجات الحب
الذي ينبع من العلم.
ولقد كان يحييعليه السلام
في الأنبياء نموذجا لا مثيل له في النسك
والزهد والحب الإلهي..
هو النبي الناسك كان يضيء حبا لكل الكائنات
وأحبه الناس وأحبته الطيور والوحوش
والصحاري والجبال

فضل يحيى عليه السلام

يذكر العلماء فضل يحيي عليه السلام
معاصرا لعيسى وقريبه من جهة الأم
(ابن خالة أمه)
وتروي السنة أن يحيي وعيسى التقيا يوما.
فقال عيسى ليحيي
استغفر لي يا يحيي..
أنت خير مني.
قال يحيي
استغفر لي يا عيسى
أنت خير مني.
قال عيسى
بل أنت خير مني..
سلمت على نفسي وسلم الله عليك.
تشير القصة إلى فضل يحيي حين سلم الله عليه
يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.
ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خرج على أصحابه يوما
فوجدهم يتذاكرون فضل الأنبياء.
قال قائل
موسى كليم الله.
وقال قائل
عيسى روح الله وكلمته.
وقال قائل
إبراهيم خليل الله.
ومضى الصحابة يتحدثون عن الأنبياء
فتدخل الرسول عليه الصلاة والسلام
حين رآهم لا يذكرون يحيي.
أين الشهيد ابن الشهيد؟
يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب.
أين يحيي بن زكريا؟
ولد يحيي عليه السلام..
كان ميلاده معجزة..
فقد جاء لأبيه زكريا بعد عمر طال
حتى يئس الشيخ من الذرية..
وجاء بعد دعوة نقية تحرك بها قلب النبي زكريا.
ولد يحيي عليه السلام فجاءت طفولته غريبة
عن دنيا الأطفال..
كان معظم الأطفال يمارسون اللهو
أما هو فكان جادا طوال الوقت..
كان يحيي عليه السلام
يطعم الحيوانات والطيور من طعامه رحمة بها
وحنانا عليها
ويبقى هو بغير طعام..
أو يأكل من أوراق الشجر أو ثمارها.
وكلما كبر يحيي في السن زاد النور في وجهه
وامتلأ قلبه بالحكمة
وحب الله والمعرفة والسلام
وكان يحيي يحب القراءة
وكان يقرأ في العلم من طفولته..
فلما صار صبيا نادته رحمة ربه

(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)

صدر الأمر ليحيي عليه السلام
وهو صبي أن يأخذ الكتاب بقوة
بمعنى أن يدرس الكتاب بإحكام
كتاب الشريعة..
رزقه الله الإقبال على معرفة الشريعة
والقضاء بين الناس وهو صبي..
كان أعلم الناس وأشدهم حكمة في زمانه
درس الشريعة دراسة كاملة
ولهذا السبب آتاه الله الحكم وهو صبي..
كان يحكم بين الناس
ويبين لهم أسرار الدين
ويعرفهم طريق الصواب
ويحذرهم من طريق الخطأ.
وكبر يحيي عليه السلام
فزاد علمه، وزادت رحمته، وزاد حنانه بوالديه
والناس، والمخلوقات، والطيور، والأشجار..
حتى عم حنانه الدنيا وملأها بالرحمة..
كان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب
وكان يدعو الله لهم..
ولم يكن هناك إنسان يكره يحيي
أو يتمنى له الضرر.
كان محبوبا لحنانه وزكاته وتقواه وعلمه وفضله..
وكان يحيي إذا وقف بين الناس
ليدعوهم إلى الله أبكاهم من الحب والخشوع..
وأثر في قلوبهم بصدق الكلمات
وكونها قريبة العهد من الله وعلى عهد الله..

مواجهة الملك

كان أحد ملوك ذلك الزمان طاغية ضيق العقل
يستبد برأيه
وكان الفساد منتشرا في بلاطه..
وكان يسمع أنباء متفرقة عن يحيي
فيدهش لأن الناس يحبون أحدا بهذا القدر
وهو ملك ورغم ذلك لا يحبه أحد.
وكان الملك يريد الزواج من ابنة أخيه
حيث أعجبه جمالها
وشجعتها أمها على ذلك
وكانوا يعلمون أن هذا حرام في دينهم.
فأرد الملك أن يأخذ الإذن من يحيى عليه السلام
فذهبوا يستفتون يحيى ويغرونه بالأموال ليستثني الملك.
لكن يحيى عليه السلام أعلن أمام الناس
تحريم زواج البنت من عمّها
حتى يعلم الناس إن فعلها الملك
أن هذا انحراف
فغضب الملك وأسقط في يده
فامتنع عن الزواج.
لكن الفتاة كانت لا تزال طامعة في الملك
وفي إحدى الليالي الفاجرة
أخذت البنت تغني وترقص فأرادها الملك
لنفسهن فأبت وقالت
إلا أن تتزوجني
قال: كيف أتزوجك وقد نهانا يحيى
قالت
ائتني برأس يحيى مهرا لي
وأغرته إغراء شديدا فأمر في حينه بإحضار
رأس يحيى له.
فذهب الجنود ودخلوا على يحيى
وهو يصلي في المحراب.
وقتلوه، وقدموا رأسه على صحن للملك
فقدّم الصحن إلى هذه البغيّ وتزوجها بالحرام

البروفيسور
07-25-2013, 12:18 AM
عيسى عليه السلام

هو عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم
وهو الذي بشر بالنبي محمد صل الله علية وسلم
أيده الله بروح القدس وكان وجيها في الدنيا والآخرة
ومن المقربين
كلم الناس في المهد وكهلا وكان يخلق من الطين
كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا
ويبرئ الأكمه والأبرص
ويخرج الموتى كل بإذن الله
دعا قومه لعبادة الله الواحد الأحد
ولكنهم أبوا واستكبروا وعارضوه
ولم يؤمن به سوى بسطاء قومه
رفعه الله إلى السماء وسيهبط حينما يشاء الله إلى الأرض
ليكون شهيدا على الناس.
الحديث عن نبي الله عيسى عليه السلام
يستدعي الحديث عن أمه مريم
بل وعن ذرية آل عمران هذه الذرية
التي اصطفاها الله تعالى واختارها
كما اختار آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين.
آل عمران أسرة كريمة مكونة من عمران والد مريم
وامرأة عمران أم مريم
ومريم وعيسى عليه السلام
فعمران جد عيسى لأمه
وامرأة عمران جدته لأمه
وكان عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه
وكانت زوجته امرأة عمران امرأة صالحة كذلك
وكانت لا تلد
فدعت الله تعالى أن يرزقها ولدا
ونذرت أن تجعله مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس
فاستجاب الله دعاءها
ولكن شاء الله أن تلد أنثى هي مريم
وجعل الله تعالى كفالتها ورعايتها إلى زكريا عليه السلام
وهو زوج خالتها
وإنما قدر الله ذلك لتقتبس منه علما نافعا
وعملا صالحا.
كانت مريم مثالا للعبادة والتقوى
وأسبغ الله تعالى عليها فضله ونعمه مما لفت أنظار الآخرين
فكان زكريا عليه السلام كلما دخل عليها المحراب
وجد عندها رزقا
فيسألها من أين لك هذا، فتجيب

(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)

كل ذلك إنما كان تمهيدا للمعجزة العظمى
حيث ولد عيسى عليه السلام من هذه المرأة الطاهرة النقية
دون أن يكون له أب كسائر الخلق

واستمع إلى بداية القصة كما أوردها القرآن الكريم
قال تعالى

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ)

بهذه الكلمات البسيطة فهمت مريم أن الله يختارها
ويطهرها ويختارها ويجعلها على رأس نساء الوجود..
هذا الوجود، والوجود الذي لم يخلق بعد..
هي أعظم فتاة في الدنيا وبعد قيامة الأموات
وخلق الآخرة..
وعادت الملائكة تتحدث

(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ )

ولادة عيسى عليه السلام

كان الأمر الصادر بعد البشارة أن تزيد من خشوعها
وسجودها وركوعها لله..
وملأ قلب مريم إحساس مفاجئ
بأن شيئا عظيما يوشك أن يقع..

ويروي الله تعالى في القرآن الكريم
قصة ولادة عيسى عليه السلام فيقول

(وَاذكُر فِى الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِياً
فَاتخَذَت مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا
رُوحَنَا فَتَمَثلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً
قَالَت إِني أَعُوذُ بِالرحمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياً
قَالَ إِنمَا أَنَا رَسُولُ رَبكِ لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياً
قَالَت أنى يَكُونُ لِى غُلامٌ وَلَم يَمسَسنِى بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِياً
قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبكَ هُوَ عَلَى هَينٌ وَلِنَجعَلَهُ ءايَةً للناسِ
وَرَحمَةً منا وَكَانَ أَمراً مقضِياً )

جاء جبريل عليه السلام لمريم
وهي في المحراب على صورة بشر في غاية الجمال
فخافت مريم وقالت
(إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا)
أرادت أن تحتمي في الله..
وسألته هل هو إنسان طيب يعرف الله ويتقيه
فجاء جوابه ليطمئنها بأنه يخاف الله ويتقيه

(قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)
اطمئنت مريم للغريب
لكن سرعان ما تذكّرت ما قاله

(لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)

استغربت مريم العذراء من ذلك..
فلم يمسسها بشر من قبل..
ولم تتزوج
ولم يخطبها أحد، كيف تنجب بغير زواج!!
فقالت لرسول ربّها

(أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)

قال الروح الأمين
(كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)

البروفيسور
07-25-2013, 12:32 AM
استقبل عقل مريم كلمات الروح الأمين..
ألم يقل لها إن هذا هو أمر الله ..؟
وكل شيء ينفذ إذا أمر الله..
لكن المعجزة تقع عندما يريد الله تعالى أن تقع..
عاد جبريل عليه السلام يتحدث

(إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ)

نفخ جبريل عليه السلام في جيب مريم
الجيب هو شق الثوب الذي يكون في الصدر
فحملت فورا.
ومرت الأيام..
خرجت مريم ذات يوم إلى مكان بعيد..
إنها تحس أن شيئا سيقع اليوم..
لكنها لا تعرف حقيقة هذا الشيء..
قادتها قدماها إلى مكان يمتلئ بالشجر..
والنخل، مكان لا يقصده أحد لبعده..
مكان لا يعرفه غيرها..
لم يكن الناس يعرفون أن مريم حامل..
وإنها ستلد..
كان المحراب مغلقا عليها
والناس يعرفون أنها تتعبد فلا يقترب منها أحد..
جلست مريم تستريح تحت جذع نخلة
لم تكن نخلة كاملة، إنما جذع فقط
لتظهر معجزات الله سبحانه وتعالى
لمريم عند ولادة عيسى فيطمئن قلبها..
كانت تشعر بألم.. والألم يتزايد ويجيء في مراحل متقاربة..
وبدأت مريم تلد..

فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ

(قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا )


(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ
أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا )

فأكلت وشربت ولفت الطفل في ملابسها..
كان الوقت عصرا حين عادت مريم..
وكان السوق الكبير الذي يقع في طريقها إلى المسجد
يمتلئ بالناس الذي فرغوا من البيع والشراء
لم تكد مريم تتوسط السوق حتى لاحظ الناس
أنها تحمل طفلا، وتضمه لصدرها
وتمشي به في جلال وبطئ..

تسائل أحد الفضوليين

أليست هذه مريم العذراء..؟
طفل من هذا الذي تحمله على صدرها..؟
قال أحدهم
هو طفلها
ترى أي قصة ستخرج بها علينا..؟

وجاء كهنة اليهود يسألونها..

ابن من هذا يا مريم؟ لماذا لا تردين؟
هو ابنك قطعا..
كيف جاءك ولد وأنت عذراء؟

(يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)

أشارت بيدها لعيسى عليه السلام ..
واندهش الناس..
فهموا أنها صائمة عن الكلام
وترجو منهم أن يسألوه هو كيف جاء..
تساءل الكهنة ورؤساء اليهود كيف يوجهون السؤال
لطفل ولد منذ أيام..
هل يتكلم طفل ..؟!

قالوا لمريم
(كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)

قال عيسى عليه السلام

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
مَا دُمْتُ حَيًّا
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا )

لم يكد عيسى عليه السلام
ينتهي من كلامه حتى كانت وجوه الكهنة والأحبار
شاحبة..
كانوا يشهدون معجزة تقع أمامهم مباشرة..
هذا طفل يتكلم في مهده..
طفل جاء بغير أب..
طفل يقول أن الله قد آتاه الكتاب وجعله نبيا..
هذا يعني إن سلطتهم في طريقها إلى الانهيار..
سيصبح كل واحد فيهم بلا قيمة عندما يكبر هذا الطفل..
لن يستطيع أن يبيع الغفران للناس
إن مجرد مجيء المسيح يعني إعادة الناس
إلى عبادة الله وحده..
وهذا معناه إعدام الديانة اليهودية الحالية..
واتهموا مريم العذراء ببهتان عظيم..
اتهموها بالبغاء..
رغم أنهم عاينوا بأنفسهم معجزة كلام ابنها في المهد.
وتخبرنا بعض الروايات أن مريم هاجرت بعيسى
إلى مصر
بينما تخبرنا روايات أخرى بأن هجرتها كانت
من بيت لحم لبيت المقدس.
إلا أن المعروف لدينا هو أن هذه الهجرة كانت قبل بعثته.

معجزاته

(وَيُعَلمُهُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَالتورَاةَ وَالإِنجِيلَ
وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسرائيلَ أني قَد جِئتُكُم بِآيَةٍ من ربكُم
أَنِي أَخلُقُ لَكُم منَ الطينِ كَهَيئَةِ الطيرِ
فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذنِ اللهِ وَأُبرِىْ الأكمَهَ
والأبرَصَ وَأُحي المَوتَى بِإِذنِ اللهِ وَأُنَبئُكُم
بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدخِرُونَ فِى بُيُوتِكُم
إِن فِي ذلِكَ لآيَةً لكُم إِن كُنتُم مؤمِنِينَ
وَمُصَدقًا لمَا بَينَ يَدَي مِنَ التورَاةِ وَلأحِل
لَكُم بَعضَ الذِي حُرمَ عَلَيكُم وَجِئتُكُم بِآيَةٍ من ربكُم
فَاتقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ
إِن اللهَ رَبي وَرَبكُم فَاعبُدُوهُ هَـذَا صِراطٌ مستَقِيمٌ )

فكان عيسى عليه السلام رسولا لبني إسرائيل
ومعجزاته هي

علّمه الله التوراة
يصنع من الطين شكل الطير ثم ينفخ فيه
فيصبح طيرا حيّا يطير أمام أعينهم.
يعالج الأكمه
(وهو من ولد أعمى)
فيمسح على عينيه أمامهم فيبصر.
يعالج الأبرص
(وهو المرض الذي يصيب الجلد فيجعل لونه أبيضا)
فيسمح على جسمه فيعود سليما.
يخبرهم بما يخبئون في بيوتهم
وما أعدّت لهم زوجاتهم من طعام.
وكان عليه السلام يحيي الموتى. باذن الله

البروفيسور
07-25-2013, 12:32 AM
إيمان الحواريون

جاء عيسى عليه السلام
ليخفف عن بني إسرائيل
بإباحة بعض الأمور التي حرمتها التوراة
عليهم عقابا لهم
إلا أن بني إسرائيل مع كل هذه الآيات
كفروا

قال تعالى
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي
إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ
آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ )

وقال تعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي
إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ
فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا
عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ )

قيل أن عدد الحواريين كان سبعة عشر رجلا
لكن الروايات الأرجح أنهم كانوا اثني عشر رجلا
آمن الحواريون
لكن التردد لا يزال موجودا في نفوسهم

قال الله تعالى قصة هذا التردد
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء
قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا
وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً
مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا
وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ
فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ )

استجاب الله عز وجل
لكنه حذّرهم من الكفر بعد هذه الآية
التي جاءت تلبية لطلبهم
نزلت المائدة
وأكل الحواريون منها
وظلوا على إيمانهم وتصديقهم لعيسى عليه السلام
إلا رجل واحد كفر
بعد رفع عيسى عليه السلام.
رفع عيسى عليه السلام
لما بدأ الناس يتحدثون عن معجزات عيسى عليه السلام
خاف رهبان اليهود أن يتبع الناس الدين الجديد
فيضيع سلطانهم.
فذهبوا لمَلك تلك المناطق وكان تابعا للروم.
وقالوا له أن عيسى يزعم أنه مَلك اليهود
وسيأخذ المُلك منك.
فخاف المَلك وأمر بالبحث عن عيسى عليه السلام ليقتله.
جاءت روايات كثيرة جدا عن رفع عيسى
عليه السلام إلى السماء
عندما بلغ عيسى عليه السلام أنهم يريدون قتله
خرج على أصحابه وسألهم من منهم مستعد
أن يلقي الله عليه شبهه فيصلب بدلا منه ويكون معه في الجنة.
فقام شاب فحنّ عليه عيسى عليه السلام
لأنه لا يزال شابا.
فسألهم مرة ثانية، فقام نفس الشاب.
فنزل عليه شبه عيسى عليه السلام
ورفع الله عيسى أمام أعين الحواريين إلى السماء
وجاء اليهود وأخذوا الشبه وقتلوه ثم صلبوه.
ثم أمسك اليهود الحواريين فكفر واحد منهم.
ثم أطلقوهم خشية أن يغضب الناس.
فظل الحواريون يدعون بالسر.
وظل النصارى على التوحيد أكثر من مئتين سنة.
ثم آمن أحد ملوك الروم واسمه قسطنطين

وقال تعالى عن رفعه
(وَقَولِهِم إِنا قَتَلنَا المَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللهِ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلَـكِن شُبهَ لَهُم وَإِن الذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ
لَفِي شَك منهُ مَا لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلا اتبَاعَ الظن
وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً
بَل رفَعَهُ اللهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً
وَإِن من أَهلِ الكِتَابِ إِلا لَيُؤمِنَن بِهِ
قَبلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِم شَهِيداً )

وفي الحديث الصحيح الآخر يحدد لنا
رسولنا الكريم مدة مكوثه في الأرض فيقول
(فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى
و يصلي عليه المسلمون)
لا بد أن يذوق الإنسان الموت
عيسى لم يمت وإنما رفع إلى السماء
لذلك سيذوق الموت في نهاية الزمان.
ويخبرنا المولى عز وجل بحوار لم يقع بعد
هو حواره مع عيسى عليه السلام

يوم القيامة فيقول
(وَإِذ قَالَ اللهُ يا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلناسِ
اتخِذُونِي وَأُميَ إِلَـهَينِ مِن دُونِ اللهِ
قَالَ سُبحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ
مَا لَيسَ لِي بِحَق إِن كُنتُ قُلتُهُ
فَقَد عَلِمتَهُ تَعلَمُ مَا فِى نَفسِي
وَلاَ أَعلَمُ مَا فِى نَفسِكَ إِنكَ أَنتَ عَلامُ الغُيُوبِ
مَا قُلتُ لَهُم إِلا مَا أَمَرتَنِي بِهِ أَنِ اعبُدُوا اللهَ
رَبي وَرَبكُم وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيداً
ما دُمتُ فِيهِم فَلَما تَوَفيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرقِيبَ عَلَيهِم
وَأَنتَ عَلَى كُل شَىء شَهِيدٌ
إِن تُعَذبهُم فَإِنهُم عِبَادُكَ
وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ )

هذا هو عيسى بن مريم عليه السلام
آخر الرسل قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

البروفيسور
07-25-2013, 12:36 AM
هو محمد صلى الله عليه وسلم

سيد الخلق ، وأفضل الرسل ، وخاتم الأنبياء
الذي أحاطته الرعاية الربانية ، والعناية الإلهية منذ الصغر
بحيث تميّزت طفولته عن بقيّة الناس
وكان ذلك من تهيئة الله له للنبوّة .
ففي صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول
من عام الفيل
وُلد أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة
وفي أشرف بيت من بيوتها
فقد اصطفاه الله من بني هاشم
واصطفى بني هاشم من قريش
واصطفى قريشاً من سائر العرب

قال صلى الله عليه وسلم
( إن الله خلق الخلق ، فجعلني في خير خلقه ، وجعلهم فرقتين
فجعلني في خير فرقة
وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة
وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً
فأنا خيركم بيتاً ، وخيركم نفساً )
رواه أحمد

ونسبه صلى الله عليه وسلم من أطهر الأنساب
حيث لم يختلط بشيءٍ من سفاح الجاهليّة
وتمتدّ أصول هذه الطهارة حتى تصل إلى آدم عليه السلام
وقد نشأ صلى الله عليه وسلم يتيماً
حيث توفّي والده عند أخواله في المدينة قبل مولده
فتولى أمره جدّه عبد المطلب
الذي اعتنى به أفضل عناية
وشمله بعطفه واهتمامه
واختار له أكفأ المرضعات
فبعد أن أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب
دفع به إلى حليمة السعدية
فقضى النبي صلى الله عليه وسلم
الأيّام الأولى من حياته في بادية بني سعد
ليلقى من مرضعته حليمة كل عناية
مع حرصها على بقائه عندها حتى بعد إكمال السنتين
لما رأت من البركة التي حلّت عليها بوجوده صلى الله عليه وسلم
حيث امتلأ صدرها بالحليب بعد جفافه
حتى هدأ صغارها وكفّوا عن البكاء جوعاً
وكانت ماشيتها في السابق لا تكاد تجد ما يكفيها من الطعام
فإذا بالحال ينقلب عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى زاد وزنها وامتلأت ضروعها باللبن
ومن أجل ذلك تحايلت حليمة لإقناع
والدة النبي صلى الله عليه وسلم
بضرورة رجوعه إلى البادية بحجّة الخوف عليه
من وباء مكّة .
وهكذا أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
سنواته الأولى في بني سعد
فنشأ قوي البنية ، سليم الجسم ، فصيح اللسان
معتمداً على نفسه ، حتى كانت السنة الرابعة من مولده
حين كان صلى الله عليه وسلم يلعب مع الغلمان
وقت الرعي

فجاءه جبريل عليه السلام

فأمسكا به وشقّا صدره
ثم استخرجا قلبه
وأخرجا منه قطعة سوداء

فقال جبريل عليه السلام
" هذا حظ الشيطان منك "

ثم غسلا قلبه وبطنه في وعاء من ذهب بماء زمزم
ثم أعاده إلى مكانه
والغلمان يشاهدون ذلك كلّه
فانطلقوا مسرعين إلى مرضعته وهم يقولون
" إن محمداً قد قُتل، وأقبل النبي صلى الله عليه وسلم
وهو يرتعد من الخوف
فخشيت حليمة أن يكون قد أصابه مكروهٌ
فأرجعته إلى أمّه

وقالت لها " أدّيت أمانتي وذمّتي "

ثم أخبرتها بالقصّة ، فلم تجزع والدته لذلك

وقالت لها
" إني رأيت خرج مني نورٌ أضاءت منه قصور الشام "

وبهذه الحادثة الكريمة
نال صلى الله عليه وسلم
شرف التطهير من حظ الشيطان ووساوسه
ومن مزالق الشرك وضلالات الجاهليّة
مع ما فيها من دلالةٍ على الإعداد الإلهيّ للنبوّة
والوحي منذ الصغر .
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم
في مكّة يتربّى في أحضان والدته
ولما بلغ عمره ست سنين توفيت أمه في قريةٍ يُقال لها

" الأبواء " بين مكّة والمدينة

فعوّضه جدّه عبدالمطلب حنان والديه
وقرّبه إليه وقدّمه على سائر أبنائه
وفي يومٍ من الأيام أرسل عبدالمطلب
النبي صلى الله عليه وسلم
للبحث عن ناقة ضائعة
فتأخّر في العودة حتى




ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم

قال له
" يا بني ، لقد جزعت عليك جزعاً لم أجزعه على شيء
قط ، والله لا أبعثك في حاجةٍ أبداً
ولا تفارقني بعد هذا أبداً "

واستمرّت هذه الرعاية طيلة سنتين
حتى توفّي عبدالمطلب وللنبي صلى الله عليه وسلم
ثمان سنين
فكفله عمّه أبو طالب وقام بحقه خير قيام
وقدمه على أولاده ، واختصّه بمزيد احترام وتقدير
ولم يزل ينصره ويبسط عليه حمايته
ويُخاصم من أجله طوال أربعين سنة
حتى توفّي قبيل الهجرة بثلاث سنين

ومن هنا نرى كيف توالت الأحزان

في طفولة النبي صلى الله عليه وسلم
وتركت أثرها في قلبه
وهو جزءٌ من التقدير والحكمة الإلهيّة
في إعداد هذا النبي الكريم
حتى لا يتأثّر بأخلاق الجاهلية القائمة
على معاني الكبر والاستعلاء
فكانت تلك الأحزان سبباً في رقّة قلبه واكتسابه لمكارم الأخلاق

حتى صدق فيه وصف خديجة رضي الله عنه
" يحمل الكَلَّ، ويكسب المعدوم ، ويُقري الضيف
ويُعين على نوائب الحق "

البروفيسور
07-25-2013, 12:37 AM
ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه
إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنماً
رعاها في بني سعد
وفي الخامسة والعشرين من سنه
خرج تاجراً إلى الشام في مال خديجة رضي اللَّه عنها
قال ابن إسحاق كانت خديجة بنت خويلد
امرأة تاجرة ذات شرف ومال
تستأجر الرجال في مالها
وكانت قريش قوماً تجاراً فلما بلغها
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما بلغها
من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه
بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها
إلى الشام تاجراً
مع غلام لها يقال له ميسرة
فقبله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منها
وخرج في مالها ذلك
وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
ولما رجع إلى مكة
ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة
ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة
بما رأى فيه صلى الله عليه وسلم من شمائل كريمة
وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين
فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية
ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة
فرضي بذلك
وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة
وخطبوها إليه
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة
وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسباً وثروة وعقلاً
وهي أول امرأة تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم
ولدت له أولاً القاسم
وبه كان يكنى - ثم زينب ورقية، وأم كلثوم وفاطمة
وعبد اللَّه، وكان عبد اللَّه يلقب بالطيب والطاهر
ومات بنوه كلهم في صغرهم
أما البنات فكلهن أدر كن الإسلام
إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى الله عليه وسلم
سوى فاطمة رضي اللَّه عنها
فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.

ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم
قامت قريش ببناء الكعبة

ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن
يمتاز بشرف وضعه في مكانه
واستمر النزاع أربع ليال أو خمساً
واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب في أرض الحرم
إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي
عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول
داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه
وشاء اللَّه أن يكون ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فلما رأوه هتفوا هذا الأمين
رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم
وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه
وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء
وأمرهم أن يرفعوه حتى إذا أوصلوه إلى موضعه
أخذه بيده، فوضعه في مكانه
وهذا حل حصيف رضي به القوم.
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان
قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات
وكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب
والنظر السديد، ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة
وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف
وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل
واستكناء الحق
فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب
ولا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالاً
بل كان من أول نشأته نافراً من هذه المعبودات الباطلة
حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها
وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه
بشمائل كريمة فكان أفضل قومه مروءة
وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً
وأصدقهم حديثاً، وأعفهم نفساً، وأكرمهم خيراً
وأبرهم عملاً، وأوفاهم عهداً
وآمنهم أمانة حتى سماه قومه

"الأمين"

لما جمع فيه من الأحوال الصالحة
ولما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين
فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء
في جبل النور على مبعدة
وهو غار طوله أربع أذرع
وعرضة ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع
فيقيم فيه شهر رمضان
يطعم من جاءه من المساكين
ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفاً
من تدبير اللَّه له وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم
وهكذا دبر اللَّه لمحمد صلى الله عليه وسلم
وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى
وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ...

أنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي اللَّه تعالى عنها
تروي لنا قصة هذه الوقعة

قالت عائشة رضي اللَّه عنها

أول ما بدىء به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
من الوحي هي الرؤيا الصادقة في النوم
فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
ثم حبب إليه الخلاء
وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه
وهو التعبد
الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله
ويتزود لذلك
ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها
حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك
فقال
اقرأ فقلت ما أنا بقارىء
قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد
ثم أرسلني
فقال
اقرأ
فقلت ما أنا بقارىء
فأخذني فغطني الثالثة
ثم أرسلني
فقال
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)
فرجع بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال
زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع
فقال لخديجة ما لي وأخبرها الخبر
لقد خشيت على نفسي
فقالت خديجة كلا
واللَّه ما يخزيك اللَّه أبداً
إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم
وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق
فانطلقت به خديجة
حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى
ابن عم خديجة
وكان امرءاً تنصر في الجاهلية
وكان يكتب الكتاب العبراني
فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب
وكان شيخاً كبيراً
فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك
فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى
فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزله اللَّه على موسى
يا ليتني فيها جذعا
ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟
قال
نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي
وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً
وعرف صلى الله عليه وسلم معرفة اليقين
أنه أضحى نبياً للَّه الكبير المتعال

البروفيسور
07-25-2013, 12:38 AM
جاء جبريل عليه السلام للمرة الثاني
روى البخاري عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يحدث عن فترة الوحي
قال
"فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء
فرفعت بصري قبل السماء
فإذا الملك الذي جاءني
قاعد على كرسي بين السماء والأرض
فجشثت منه حتى هويت إلى الأرض
فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني
فزملوني

فأنزل اللَّه تعالى
"يأيها المدثر" إلى قوله "فاهجر"

تلقى النبي صلى الله عليه وسلم أوامر عديدة
في قوله تعالى
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)

وقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً
لم يسترح ولم يسكن
ولم يعش لنفسه ولا لأهله
قام وظل قائماً على دعوة اللَّه يحمل
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
على عاتقه العبء الثقيل والأمانة الكبرى
في هذه الأرض، عبء البشرية كلها
وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى
عاش في المعركة الدائبة المستمرة
أكثر من عشرين عاماً
لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد
منذ أن تلقى التكليف الرهيب
وفد قريش إلى أبي طالب
قال ابن إسحاق مشى رجال من أشراف قريش
إلى أبي طالب
فقالوا
يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا
وعاب ديننا، وسفه أحلامنا
وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا
وإما أن تخلي بيننا وبينه
فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه
فنكفيكه
فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً
وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه
ومضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
على ما هو عليه
يظهر دين اللَّه ويدعو إليه.
وخلال هذه الأيام أهم قريشاً أمر آخر
وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة
حتى قرب موسم الحج
وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم
فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب
في شأن محمد صلى الله عليه وسلم
حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب
فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة
يتداولون في تلك الكلمة
فقال لهم الوليد أجمعوا فيه رأياً واحداً
ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً
ويرد قولكم بعضه بعضاً
وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار
أخذوا في تنفيذه
لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره.
والذي تولى ذلك هو أبو لهب
فقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يتبع الناس ويدعوهم إلى اللَّه
وأبو لهب وراءه يقول لا تطيعوه فإنه صابىء كذاب
وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم
بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
ولما رأت قريش أن محمداً صلى الله عليه وسلم
لا يصرفه عن دعوته هذا ولا ذاك
فكروا مرة أخرى واختاروا
لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي
السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك
قصدوا بها تخذيل المسلمين
وتوهين قواهم المعنوية
فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم هازلة
وشتائم سفيهة
فكانوا ينادونه بالجنون

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

ويصفونه بالسحر والكذب

(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ
هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)

وكانوا يشيعونه ويستقبلونه
بنظرات متلهمة ناقمة
وعواطف منفعلة هائجة

(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)

وكان إذا جلس وحوله المستضعفون
من أصحابه استهزأوا بهم وقالوا

(أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا)

قال تعالى

(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)

وكانوا كما قص اللَّه علينا

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ
وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ)

إثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة
حول ذاته وشخصيته
والإكثار من كل ذلك بحيث
لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته
فكانوا يقولون عن القرآن

(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا)
(إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)

وكانوا يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم

(مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)

وروى ابن إسحاق بسنده
قال اعترض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وهو يطوف بالكعبة
الأسود، المطلب بن أسد بن عبد العزى
والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي
فقالوا
يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد
فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد
كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً
مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه

فأنزل اللَّه تعالى فيهم
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)

البروفيسور
07-25-2013, 12:50 AM
يمكن أن نقسم عهد الدعوة المحمدية
إلى دورين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز
وهما
الدور المكي
ثلاث عشرة سنة تقريباً
الدور المدني
عشر سنوات كاملة
ثم يشتمل كل من الدورين على مراحل
لكل منها خصائص تمتاز بها عن غيرها
ويظهر ذلك في الظروف
التي مرت بها الدعوة خلال الدورين
ويمكن تقسيم الدور المكي إلى ثلاث مراحل
مرحلة الدعوة السرية ثلاث سنين
مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة
من بداية السنة الرابعة من النبوة
إلى أواخر السنة العاشرة
مرحلة الدعوة خارج مكة
إلى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

أما مراحل الدور المدني
فسيجيء تفصيلها في موضعه
المرحلة الأولى
جهاد الدعوة
ثلاث سنوات من الدعوة السرية
معلوم أن مكة كانت مركز دين العرب
وكان بها سدنة الكعبة
والقوام على الأوثان والأصنام المقدسة
عند سائر العرب
فالوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها
يزداد عسراً وشدةً عما لو كان بعيداً عنها
فالأمر يحتاج إلى عزيمة
لذا كان من الحكمة أن تكون الدعوة في
بدء أمرها سرية
لئلا يفاجأ أهل مكة بما يهيجهم.
فدعاهم إلى الإسلام
ودعا إليه كل من توسم فيه خيراً ممن يعرفهم ويعرفونه
يعرفهم بحب الحق والخير
ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح
فأجابه من هؤلاء
الذين لم تخالجهم ريبة قط
في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم
وجلالة نفسه وصدق خبره
وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم
أم المؤمنين خديجة بنت خويلد
ومولاه زيد ابن ثابت بن شرحبيل الكلبي
وابن عمه علي بن أبي طالب
وكان صبياً يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم
وصديقه الحميم أبو بكر الصديق
أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة.
ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام
وكان رجلاً محبباً ذا خلق ومعروف
وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه
لعلمه وتجارته وحسن مجالسته
فأسلم بدعائه عثمان بن عفان الأموي
والزبير بن العوام الأسدي
وعبد الرحمن بن عوف
وسعد بن أبي وقاص
وطلحة بن عبيد اللَّه التيمي
فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس
هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.
ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي
ثم تلاهم أبو عبيدة عامر بن الجراح
وأبو سلمة بن عبد الأسد
والأرقم ابن أبي الأرقم
وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد اللَّه
وعبيدة بن الحارث
وسعيد بن زيد العدوي
وامرأته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب
وخباب بن الأرت
وعبد اللَّه بن مسعود الهذلي
وأولئك هم السابقون الأولون
وهم من جميع بطون قريش
أسلم هؤلاء سراً
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفياً لأن الدعوة كانت
لا تزال فردية وسرية
وكان الوحي قد تتابع وحمى نزوله بعد نزول أوائل المدثر
وكانت الآيات التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة
مرت ثلاث سنين والدعوة لم تزل سرية وفردية
وخلال هذه الفترة
تكونت جماعة من المؤمنين
تقوم على الأخوة والتعاون وتبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها
ثم تنزل الوحي يكلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمهاجمة أصنامهم

قوله تعالى
(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)

وأول ما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بعد نزول هذه الآية أنه دعا بني هاشم فحضروا
ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف
فكانوا خمسة وأربعين رجلاً
فبادره أبو لهب وقال
وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك
فتكلم ودع الصُّباة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة
وأنا أحق من أخذك
فحسبك بنو أبيك
وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر
عليهم من أن يثب بك بطون قريش
وتمدهم العرب
فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر
مما جئت به
فسكت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية
وقال الحمد للَّه أحمده وأستعينه
وأومن به
وأتوكل عليه
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له
ثم قال
إن الرائد لا يكذب أهله واللَّه الذي لا إله إلا هو
إني رسول اللَّه إليكم خاصة
وإلى الناس عامة
واللَّه لتموتن كما تنامون
ولتبعثن كما تستيقظون
ولتحاسبن بما تعملون
وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً
فقال أبو طالب ما أحب إلينا معاونتك
وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقاً لحديثك.
وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون
وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب
فامض لما أمرت به
فواللَّه لا أزال أحوطك وأمنعك
غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين
عبد المطلب

البروفيسور
07-25-2013, 12:53 AM
فقال أبو لهب هذه واللَّه السوأة
خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم
فقال أبو طالب واللَّه لنمنعه ما بقينا.
وبعد ما تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد
أبي طالب بحمايته
وهو يبلغ عن ربه
قام يوماً على الصفا ينادي يا بني فهر
فاجتمع إليه بطون قريش
فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر
وقد روى البخاري طرفاً من هذه القصة
عن ابن عباس، قال
لما نزلت

(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)

صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا
فجعل ينادي يا بني فهر...!
يا بني عدي لبطون قريش
حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو؟
فجاء أبو لهب وقريش
فقال
أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي
تريد أن تغير عليكم
أكنتم مصدقي؟
قالوا نعم
ما جربنا عليك إلا صدقاً
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد
فقال أبو لهب تباً لك سائر اليوم
ألهذا جمعتنا؟
فنزلت

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)

(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ)

فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يعكر على خرافات الشرك ويذكر حقائق الأصنام
وما لها من قيمة في الحقيقة
انفجرت مكة بمشاعر الغضب والاستنكار
حين سمعت صوتاً يجهر بتضليل المشركين
وعباد الأصنام
قال ابن إسحاق مشى رجال من أشراف قريش
إلى أبي طالب فقالوا
يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا
وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا
فإما أن تكفه عنا
وإما أن تخلي بيننا وبينه
فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه
فنكفيكه
فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً
وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه
ومضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
على ما هو عليه
يظهر دين اللَّه ويدعو إليه.
وخلال هذه الأيام أهم قريشاً أمر آخر
وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة
حتى قرب موسم الحج
وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم
فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب
في شأن محمد صلى الله عليه وسلم
حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب
وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار
أخذوا في تنفيذه فجلسوا بسبل الناس
حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد
إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره.
والذي تولى ذلك هو أبو لهب
فقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم
وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز
يدعوهم إلى اللَّه
وأبو لهب وراءه يقول لا تطيعوه
فإنه صابىء كذاب.
وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم
بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
ولما رأت قريش أن محمداً صلى الله عليه وسلم
لا يصرفه عن دعوته هذا ولا ذاك
فكروا مرة أخرى واختاروا
لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي
السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب
قصدوا بها تخذيل المسلمين
وتوهين قواهم المعنوية
فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم هازلة
وشتائم سفيهة
فكانوا ينادونه بالجنون

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

ويصمونه بالسحر والكذب

(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)

وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات متلهمة ناقمة
وعواطف منفعلة هائجة

(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِ
هِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)

وكان إذا جلس وحوله المستضعفون
من أصحابه استهزأوا بهم وقال

(أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا)

قال تعالى
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)

وكانوا كما قص اللَّه علينا

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ
وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ)

ومضت على ذلك أسابيع وشهور
وهم مقتصرون على هذه الأساليب
لا يتجاوزونها إلى طريق الاضطهاد والتعذيب
ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب
لا تجدي لهم نفعاً في كف الدعوة الإسلامية
اجتمعوا مرة أخرى
وكونوا منهم لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلاً
من سادات قريش
رئيسها أبو لهب
وبعد التشاور والتفكر اتخذت هذه اللجنة قراراً حاسماً
ضد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وضد أصحابه
فقررت محاربة الإسلام
وإيذاء رسوله
وتعذيب الداخلين فيه
والتعرض لهم بألوان من النكال والإيلام.
اتخذوا هذا القرار وصمموا على تنفيذه

البروفيسور
07-25-2013, 12:53 AM
أما بالنسبة إلى المسلمين
ولا سيما المستضعفين منهم
فكان ذلك سهلاً جداً
وأما بالنسبة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فإنه كان رجلاً شهماً وقوراً ذا شخصية فذة
تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء بحيث
لا يقابل مثلها إلا بالإجلال والتشريف
ومع ذلك كان في منعة أبي طالب
وأبو طالب من رجال مكة المعدودين
كان معظماً في أصله
معظماً بين الناس
إن هذا الوضع أقلق قريشاً وأقامهم وأقعدهم
ولكن إلام هذا الصبر الطويل أمام دعوة
تتشوف إلى القضاء على زعامتهم الدينية
وصدارتهم الدنيوية.
وبدأوا الاعتداءات ضد النبي صلى الله عليه وسلم
وعلى رأسهم أبو لهب
فقد اتخذ موقفه
من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول
قبل أن تهم قريش بذلك
وقد أسلفنا ما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم
في مجلس بني هاشم
وقد ورد في بعض الروايات أنه
حينما كان على الصفا
أخذ حجراً ليضرب به النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي صلى الله عليه وسلم
في موسم الحج والأسواق لتكذيبه
وكانت امرأة أبي لهب
أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان
لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت تحمل الشوك
وتضعه في طريق
النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلاً
وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها
وتطيل عليه الافتراء والدس
وتؤجج نار الفتنة
وتثير حرباً على النبي صلى الله عليه وسلم
ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب.
ولما سمعت ما نزل فيها
وفي زوجها من القرآن
أتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وهو جالس في المسجد عند الكعبة
ومعه أبو بكر الصديق
وفي يدها فهر أي بمقدار ملء الكف من حجارة
فلما وقفت عليهما أخذ اللَّه ببصرها
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت
يا أبا بكر أين صاحبك؟
قد بلغني أنه يهجوني
واللَّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه
أما واللَّه إني لشاعرة
ثم قالت
مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا
ثم انصرفت
فقال أبو بكر يا رسول اللَّه أما تراها رأتك؟
فقال
ما رأتني
لقد أخذ اللَّه ببصرها عني
كان أبو لهب يفعل كل ذلك
وهو عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وجاره كان بيته ملصقاً ببيته
كما كان غيره من جيران رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يؤذونه وهو في بيته.
وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه

وفيه نزل
(ويل لكل همزة لمزة)

وكان الأخنس بن شريق الثقفي
ممن ينال من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه
وهي في قوله تعالى

(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)

وكان أبو جهل يجيء أحياناً إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يسمع منه القرآن ثم يذهب عنه
فلا يؤمن ولا يطيع
ولا يتأدب ولا يخشى ويؤذي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالقول
ويصد عن سبيل اللَّه
ثم يذهب مختالاً بما يفعل
فخوراً بما ارتكب من الشر
كأنما فعل شيئاً يذكر
وفيه نزل

(فلا صدَّق ولا صلى)

وكان يمنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة
منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم
ومرة مر به وهو يصلي عند المقام فقال
يا محمد ألن أنهك عن هذا
وتوعده فأغلظ له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وانتهره
فقال
يا محمد بأي شيءٍ تهددني؟
أما واللَّه إني لأكثر هذا الوادي نادياً
فأنزل فليدع ناديه
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم
أخذ بخناقه وهزه وهو يقول له

(أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)

فقال عدو اللَّه أتوعدني يا محمد
واللَّه لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً
وإني لأعز من مشى بين جبليها
ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار
بل ازداد شقاوة فيما بعد

بنوته مصريه
07-25-2013, 12:56 AM
http://e1sfqq.blu.livefilestore.com/y1pkSKvJ5SsjdFLV5cq_ellaRun8wuY7WdSAbkryrUSNYj0qTw 7Kw4JPT7t9BP7u1dN1UnTSChdxH9SSbnQEWP3og/%D8%B4%D9%83%D8%B1%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D 9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9%20%D8%A7%D9%84% D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B9.gif

البروفيسور
07-25-2013, 12:58 AM
ففي نفس الوقت قامت كل قبيلة تعذب من دان منها بالإسلام أنواعاً من التعذيب
ومن لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش
والسادات ألواناً من الاضطهاد
وكن بلال مولى أمية بن خلف
فكان أمية يضع في عنقه حبلاً
ثم يسلمه إلى الصبيان
يطوفون به في جبال مكة
حتى كان يظهر أثر الحبل في عنقه
وكان أمية يشده شداً ثم يضربه بالعصا
وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس
كما كان يكرهه على الجوع
وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه
إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة
ثم يأمر بالصخرة العظيمة
فتوضع على صدره
ثم يقول لا واللَّه لا تزال هكذا حتى تموت
أو تكفر بمحمد
وتعبد اللات والعزى فيقول
وهو في ذلك أحد، أحد
حتى مر به أبو بكر يوماً وهم يصنعون ذلك به
فاشتراه بغلام أسود
وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه.
وكان عمار بن ياسر رضي اللَّه عنه
مولى لبني مخزوم
أسلم هو وأبوه وأمه
فكان المشركون وعلى رأسهم أبو جهل
يخرجونهم إلى الرمضاء فيعذبونهم
ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم
وهم يعذبون
فقال
صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة
فمات ياسر في العذاب
وطعن أبو جهل سمية أم عمار
في قبلها بحربة فماتت
وهي أول شهيدة في الإسلام
وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة
وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى
وبالتغريق أخرى
وقالوا
لا نتركك حتى تسب محمداً
أو تقول في اللات والعزى خيراً
فوافقهم على ذلك مكرهاً
وجاء باكياً معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فأنزل اللَّه

(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)

وقائمة المعذبين في اللَّه طويلة ومؤلمة جداً
فما من أحد علموا بإسلامه
إلا تصدوا له وآذوه.

كان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات
أن يمنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المسلمين
عن إعلان إسلامهم قولاً أو فعلاً
وأن لا يجتمع بهم إلا سراً

لأنه إذا اجتمع بهم علناً فلا شك أن المشركين
يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين
وتعليمهم الكتاب والحكمة
وربما يفضي ذلك إلى مصادمة الفريقين
بل وقع ذلك فعلاً في السنة الرابعة من النبوة
وذلك أن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
كانوا يجتمعون في الشعاب
فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم
ودعوتهم واجتماعهم
أما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فكان يجهر بالدعوة والعبادة
لا يصرفه عن ذلك شيء
ولكن كان يجتمع مع المسلمين سراً
نظراً لصالحهم وصالح الإسلام
وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي
على الصفا
وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم
فكان اتخذها مركزاً لدعوته
ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة.

البروفيسور
07-25-2013, 12:59 AM
كانت بداية الاضطهادات في أواسط
أو أواخر السنة الرابعة من النبوة
بدأت ضعيفة وتفاقمت في أواسط السنة الخامسة
حتى نبا بهم المقام في مكة
وأوعزتهم أن يفكروا في حيلة تنجيهم
من هذا العذاب الأليم
و نزلت سورة الكهف
ردوداً على أسئلة أدلى بها المشركون
إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ولكنها اشتملت على ثلاث قصص
فيها إشارات بليغة من اللَّه تعالى إلى عباده
المؤمنين
فقصة أصحاب الكهف ترشد إلى الهجرة
من مراكز الكفر والعدوان
حين مخافة الفتنة على الدين
متوكلاً على اللَّه

(وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قد علم أن النجاشي ملك الحبشة ملك عادل
لا يظلم عنده أحد
فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة
وفي رجب سنة خمس من النبوة
هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة
كان مكوناً من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة
رئيسهم عثمان بن عفان
ومعه السيدة رقية بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما
إنهما
أول بيت هاجر في سبيل اللَّه

بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام.
كان رحيل هؤلاء تسلالاً في ظلمة الليل
حتى لا تفطن لهم قريش
وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار
وفي رمضان من نفس السنة
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم
وهناك جمع كبير من قريش
كان فيه ساداتها فقام فيهم
وأخذ يتلو سورة النجم
إن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام اللَّه قبل ذلك
لأن أسلوبهم المتواصل
كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضاً


(لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)
ثم قرأ (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا)

لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجداً
وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب
ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين
وعند ذلك كذبوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير
وأنه قال عنها
"تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"
جاءوا بهذا الإفك المبين
ليعتذروا عن سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم
وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلفون الكذب
ويطيلون الدس والافتراء.
بلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة
ولكن في صورة تختلف تماماً عن صورته الحقيقية بلغهم أن قريشاً أسلمت
فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة
فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار
وعرفوا الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة
ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا متخفياً
أو في جوار رجل من قريش.
ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب
من قريش
وسطت بهم عشائرهم
فقد كان صعباً على قريش ما بلغها عن النجاشي
من حسن الجوار
وكانت هذه الهجرة الثانية أشق
فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها
بيد أن المسلمين كانوا أسرع
ويسر اللَّه لهم السفر
فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا.
ارسل المشركين لملك الحبشه ...
الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته
وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة
وقدما له الهدايا
وقالوا له
أيها الملك
إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء
فارقوا دين قومهم
لم يدخلوا في دينك
وجاؤوا بدين ابتدعوه
لا نعرفه نحن ولا أنت
وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم
من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم
لتردهم إليهم
رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية
وسماع أطرافها جميعاً
فأرسل إلى المسلمين
ودعاهم، فحضروا
وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً ما كان
فقال لهم النجاشي
ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم
ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل
قال جعفر بن أبي طالب
وكان هو المتكلم عن المسلمين
أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية
نعبد الأصنام ونأكل الميتة
ونأتي الفواحش
ونقطع الأرحام ويأكل منا القوي الضعيف
فكنا على ذلك
حتى بعث اللَّه إلينا رسولاً منا
نعرف نسبه وصدقه وأمانته
فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده
ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا
من دونه من الحجارة والأوثان
وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة
وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء
ونهانا عن الفواحش
وقول الزور، وأكل مال اليتيم
وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد اللَّه وحده
لا نشرك به شيئاً
وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام
فعدد عليه أمور الإسلام
فصدقناه، وآمنا به
واتبعناه على ما جاءنا به من دين اللَّه
فعبدنا اللَّه وحده
فلم نشرك به شيئاً
وحرمنا ما حرم علينا
وأحللنا ما أحل لنا
فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا
ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه تعالى
فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا
وحالوا بيننا وبين ديننا
خرجنا إلى بلادك
ورغبنا في جوارك
ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي
هل معك مما جاء به عن اللَّه من شيء
فقال له جعفر
نعم
فقال له النجاشي
فاقرأه عليّ فقرأ
(كهيعص)
فبكى واللَّه النجاشي حتى اخضلت لحيته
ثم قال لهم النجاشي

إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة
فلا واللَّه لا أسلمهم إليكما ولا يكادون
يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه
فخرجا
وقال عمرو بن العاص لعبد اللَّه بن ربيعة
واللَّه لآتينهم غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم
فقال له عبد اللَّه بن ربيعة لا تفعل
فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا
ولكن أصر عمرو على رأيه.
فلما كان الغد
قال للنجاشي أيها الملك إنهم يقولون
في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً
فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا
ولكن أجمعوا على الصدق
كائناً ما كان
فلما دخلوا عليه
وسألهم قال له جعفر
نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم
هو عبد اللَّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فأخذ النجاشي عوداً من الأرض
ثم قال
واللَّه ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته
فقال وإن نخرتم واللَّه.
ثم قال للمسلمين
اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي
والشيوم الآمنون بلسان الحبشة
من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم
ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم
والدبر الجبل بلسان الحبشة.
ثم قال لحاشيته
ردّوا عليهما هداياهما
فلا حاجة لي بها
فواللَّه ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد علي ملكي
فأخذ الرشوة فيه
وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة
فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما
ما جاء به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

البروفيسور
07-25-2013, 01:07 AM
أخفقت حيلة المشركين
وفشلت مكيدتهم
رأوا أن يواجهوا أبا طالب في هذا الصدد.
جاءت سادات قريش إلى أبي طالب
فقالوا له
يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا
واللَّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا
وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا
حتى تكفه عنا
أو ننازله وإياك في ذلك
حتى يهلك أحد الفريقين.
عظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد
فبعث إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني
فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك
ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق
فظن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أن عمه خاذله وأنه ضعُف عن نصرته

فقال
يا عم واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني
والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر
حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه
ما تركته

ثم استعبر وبكى
وقام فلما ولى ناداه أبو طالب
فلما أقبل قال له اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت
فواللَّه لا أسلمك لشيء أبداً.

واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم حتى
أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
وأبشر وقر بذاك منك عيونا
ولما رأت قريش أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ماض في عمله عرفت أن أبا طالب
قد أبى خذلان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فذهبوا إليه وقالوا له يا أبا طالب
أسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك
ودين آبائك
وفرق جماعة قومك وسفه أحلامه
فنقتله
فقال
واللَّه لبئس ما تسومونني
فكرة الطغاة في إعدام النبي صلى الله عليه وسلم
وبعد فشل قريش وخيبتهم في الوفادتين
عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم
بأشد مما كان قبل ذلك
وخلال هذه الأيام نشأت فكرة إعدامه صلى الله عليه وسلم بطريق أخرى
وكانت هذه الفكرة هي التي كانت سبب
في تقوية الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة
وهما حمزة بن عبد المطلب
وعمر بن الخطاب رضي اللَّه عنهما.
أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوماً
إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال
أنا أكفر بـ (النجم إذا هوى)
و (بالذي دنا فتدلى)
ثم تسلط عليه بالأذى
وشق قميصه
وتفل في وجهه صلى الله عليه وسلم
إلا أن البزاق لم يقع عليه

وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم
وقال
اللهم سلط عليه كلباً من كلابك
وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم

فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش
حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء
فطاف بهم الأسد تلك الليلة
فجعل عتيبة يقول يا ويل أخي
هو واللَّه آكلي كما دعا محمد عليّ
قتلني وهو بمكة
وأنا بالشام فعدا عليه الأسد
من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه.
ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطىء
على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان.
ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون
قتله صلى الله عليه وسلم

البروفيسور
07-25-2013, 01:09 AM
اسلام حمزة رضي اللَّه عنه

خلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم
والطغيان أضاء برق نور
ألا وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه
أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة
والأغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة
وسبب إسلامه أن أبا جهل
مر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوماً
عند الصفا فآذاه ونال منه
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه
ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فشجه
حتى نزف منه الدم
ثم انصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة
فجلس معهم
وكانت مولاة لعبد اللَّه بن جدعان
في مسكن لها على الصفا ترى ذلك
وأقبل حمزة من القنص متوشحاً قوسه
فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل
فغضب حمزة رضي الله عنه
وكان أعز فتى في قريش وأشده
فخرج يسعى
لم يقف لأحد
معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به
فلما دخل المسجد قام على رأسه
وقال له يا مصفر استه
تشتم ابن أخي وأنا على دينه
ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة
فثار رجال من بني مخزوم
حي أبي جهل
وثار بنو هاشم حي حمزة
فقال أبو جهل
دعوا أبا عمارة فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً.

وكان إسلام حمزة أول الأمر
ثم شرح اللَّه صدره
فاستمسك بالعروة الوثقى
واعتز به المسلمون أيما اعتزاز.

إسلام عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه

وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم
والطغيان أضاء برق آخر
ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب
أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة
بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي اللَّه عنه
يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان تدريجاً
ولكن قبل أن نسوق خلاصتها
نرى أن نشير إلى ما كان يتمتع به رضي اللَّه عنه
من العواطف والمشاعر
كان رضي اللَّه عنه معروفاً
بحدة الطبع وقوة الشكيمة
في إسلامه رضي اللَّه عنه
أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته
فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة
والنبي صلى الله عليه وسلم
قائم يصلي وقد استفتح سورة

"الحاقة"

فجعل عمر يستمع إلى القرآن
قال
فقلت أي في نفسي هذا واللَّه شاعر
كما قالت قريش قال
فقرأ

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ)

قال قلت كاهن
قال

(وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ
تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

إلى آخر السورة
قال فوقع الإسلام في قلبي.
كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه
لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية
والعصبية التقليدية
والتعاظم بدين الآباء غالبة على مخ الحقيقة
التي كانت يتهمس بها قلبه
فبقي مجداً في عمله ضد الإسلام
غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة.
وكان من حدة طبعه وفرط عداوته
لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أنه خرج يوماً متوشحاً سيفه يريد القضاء
على النبي صلى الله عليه وسلم
فلقيه رجل من بني زهرة
أو رجل من بني مخزوم فقال
أين تعمد يا عمر؟
قال
أريد أن أقتل محمداً
قال كيف تأمن من بني هاشم
ومن بني زهرة لو قتلت محمداً
فقال له عمر ما أراك إلا قد صبوت
وتركت دينك الذي كنت عليه
قال أفلا أدلك على العجب
يا عمر إن أختك قد صبوا وتركا دينك
الذي أنت عليه
فمشى عمر دامراً حتى أتاهما
وعندهما خباب بن الأرت
معه صحيفة فيه (طه)
يقرئهما إياها
وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن
فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت
وسترت فاطمة أخت عمر الصحيفة
وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت
قراءة خباب إليهما
فلما دخل عليهما قال
ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟
فقالا ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا
قال
فلعلكما قد صبوتما
فقال له
يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟
فوثب عمر عليه فوطئه وطأً شديداً.
فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده
فدمى وجهها
وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها
فقالت
وهي غضبى يا عمر إن كان الحق في غير دينك
أشهد أن لا إله إلا اللَّه
وأشهد أن محمداً رسول اللَّه.
فلما يئس عمر
ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحى
وقال
أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه
فقالت أخته إنك رجس
ولا يمسه إلا المطهرون
فقم فاعتسل
فقام فاغتسل
ثم أخذ الكتاب
فقرأ
(بسم اللَّه الرحمن الرحيم)
فقال أسماء طيبة طاهرة

ثم قرأ (طه) حتى انتهى إلى قوله
(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)

فقال
ما أحسن هذا الكلام وأكرمه
دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت
فقال: أبشر يا عمر
فإني أرجو أن تكون
دعوة الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في الدار التي في أصل الصفا.
فأخذ عمر سيفه فتوشحه
ثم انطلق حتى أتى الدار
فضرب الباب
فقام رجل ينظر من خلل الباب فرآه متوشحاً السيف
فأخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
واستجمع القوم
فقال لهم حمزة ما لكم
قالوا
عمر فقال
وعمر افتحوا له الباب
فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له
وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
داخل يوحى إليه فخرج إلى عمر
فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف
ثم جذبهُ جذبةً فقال
أما أنت منتهياً يا عمر
حتى ينزل اللَّه بك من الخزي
والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة
اللهم هذا عمر بن الخطاب
اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب
فقال عمر
أشهد أن لا إله إلا اللَّه
وأنك رسول اللَّه
وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين بالذلة
والهوان
وكسا المسلمين عزة وشرفاً وسروراً.
وكان ابن مسعود رضي اللَّه عنه
يقول ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر.
وعن صهيب بن سنان الرومي رضي اللَّه عنه
قال
لما أسلم عمر ظهر الإسلام
ودعي إليه علانية
وجلسنا حول البيت حِلقاً

البروفيسور
07-25-2013, 01:09 AM
وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين
حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي اللَّه عنهما
أخذت السحائب تتقشع
وأفاق المشركون من النكال والعذاب من المسلمين
وحاولوا مساومة مع النبي صلى الله عليه وسلم
ليكفوه عن دعوته
ولم يكن يدري هؤلاء المساكين أن كل ما تطلع عليه الشمس
لا يساوي جناح بعوضة أمام دعوته
فخابوا وفشلوا فيما أرادو
تغيّرت مجرى الظروف وتبدلت الأوضاع والأحوال
ولكن أبا طالب لم يزل يتوجس من المشركين
على ابن أخيه
إنه كان ينظر في الحوادث الماضية
كان أبو طالب يتدبر في هذه الحوادث
ويشم منها رائحة شر يرجف له فؤاده
وتأكد عنده أن المشركين عازمون على قتل ابن أخيه
تأكد ذلك عند أبي طالب
ولم يكن إلا حقاً
فإنهم كانوا قد أجمعوا على
أن يقتلوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علانية

وإلى هذا الإجماع إشارة في قوله تعالى
(أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ)

خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الشعب
أما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه
لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه
وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات
لا سيما حصار الشعب
قد وهنت وضعفت وكسرت صلبه
وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب
قال ابن إسحاق وغيره لما اشتكى أبو طالب
وبلغ قريشاً ثقله
قالت قريش بعضها لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما
وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها
فانطلقوا بنا إلى أبي طالب
فليأخذ على ابن أخيه، وليعطه منا
واللَّه ما نأمن أن يبتزونا أمرنا
وفي لفظ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب
يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه
توفي ابو طالب
وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة
بعد الخروج من الشعب بستة أشهر
وقيل
توفي في شهر رمضان
قبل وفاة خديجة رضي اللَّه عنها بثلاثة أيام.

وفي الصحيح عن المسيب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة
دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم
وعنده أبو جهل
فقال: أي عم
قل لا إله إلا اللَّه
كلمة أحاج لك بها عند اللَّه
فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية يا أبا طالب
ترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
لأستغفرن لك ما لم أنه عنك

فنزلت
(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)

ونزلت (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)

ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة
والمنع فقد كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية
ولكنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده
وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام
على اختلاف القولين

توفيت أم المؤمنين خديجة رضي اللَّه عنها

كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة
ولها خمس وستون سنة
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إذ ذاك في الخمسين من عمره
إن خديجة كانت من نعم اللَّه الجليلة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه
وتؤازره في أحرج أوقاته
وتعينه على إبلاغ رسالته
وتشاركه في مغارم الجهاد المر
وتواسيه بنفسها ومالها

يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
"آمنت بي حين كفر بي الناس
وصدقتني حين كذبني الناس
وأشركتني في مالها حين حرمني الناس
ورزقني اللَّه ولدها
وحرم ولد غيرها"
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال
أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم
فقال
يا رسول اللَّه هذه خديجة
قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب
فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها
وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.


تراكم الأحزان

وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة
فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه
فقد تجرأوا عليه
بعد موت أبي طالب
فازداد غماً على غم حتى يئس منهم
وخرج إلى الطائف
رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه
فلم ير من يؤوي ولم ير ناصراً
وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه.

البروفيسور
07-25-2013, 01:10 AM
وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم
اشتدت على أصحابه حتى التجأ
رفيقه أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه إلى الهجرة
عن مكة فخرج حتى بلغ برك الغماد
يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدغنة في جواره
قال ابن إسحاق لما هلك أبو طالب
نالت قريش من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الأذى
ما لم تطمع به في حياة أبي طال
حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش
فنثر على رأسه تراباً
ودخل بيته والتراب على رأسه
فقامت إليه إحدى بناته
فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول
لها لا تبكي يا بنية
فإن اللَّه مانع أباك
قال
ويقول بين ذلك ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه
حتى مات أبو طالب.
ولأجل توالي مثل هذه الآلام في هذا العام
سماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام الحزن
وبهذا اللقب صار معروفاً في التاريخ

الزواج بسودة رضي اللَّه عنها

وفي شوال من هذه السنة سنة 10 من النبوة
تزوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة
كانت ممن أسلم قديماً
وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة
وبينا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة
التي كانت دعوته تشق فيها طريقاً بين النجاح والاضطهاد

وقع حادث الإسراء والمعراج.

وروى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة
وفيما يلي نسردها بإيجاز

قال ابن القيم
أسري برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجسده
على الصحيح من المسجد الحرام إلى البيت المقدس
راكباً على البراق
صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام
فنزل هناك
وصلى بالأنبياء إماماً
وربط البراق بحلقة باب المسجد.
ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا
فاستفتح له جبريل ففتح له
فرأى هنالك آدم أبا البشر
فسلم عليه
فرحب به ورد عليه السلام
وأقر بنبوته
وأراه اللَّه أرواح الشهداء عن يمينه
وأرواح الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية
فاستفتح له
فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم
فلقيهما وسلم عليهما
فردا عليه ورحبا به وأقرا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف
فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة
فرأى فيها إدريس، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة
فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه
ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء السادسة
فلقي فيها موسى بن عمران فسلم عليه
ورحب به، وأقر بنبوته.
فلما جاوزه بكى موسى عليه السلام
فقيل له ما يبكيك؟
فقال
أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته
أكثر مما يدخلها من أمتي.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام
فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور.
ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله
فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى
فأوحى إلى عبده ما أوحى
وفرض عليه خمسين صلاة
فرجع حتى مرّ على موسى
فقال له بم أمرك؟
قال بخمسين صلاة
قال
إن أمتك لا تطيق ذلك
ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك
فالتفت إلى جبريل
كأنه يستشيره في ذلك
فأشار أن نعم، إن شئت، فعلا به جبريل
حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى
وهو في مكانه هذا لفظ البخاري في بعض الطرق
فوضع عنه عشراً
ثم أنزل حتى مر بموسى
فأخبره
فقال ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف
فلم يزل يتردد بين موسى وبين اللَّه عز وجل
حتى جعلها خمساً
فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف
فقال
قد استحييت من ربي
ولكني أرضى وأسلم
فلما بعد نادى مناد قد أمضيت فريضتي
وخففت عن عبادي
انتهى.
وقد رأى ضمن هذه الرحلة أموراً عديدة
عرض عليه اللبن والخمر
فاختار اللبن
فقيل
هديت الفطرة أو أصبت الفطرة
أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
ورأى مالك خازن النار
وهو لا يضحك
وليس على وجهه بشر وبشاشة وكذلك رأى الجنة والنار.
ورأى أكلة أموال اليتامى ظلماً لهم مشافر كمشافر الإبل
يقذفون في أفواههم قطعاً من نار كالأفهار
فتخرج من أدبارهم.
ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون
لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم
ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطأونهم.
ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال
من ليس من أولادهم رآهن معلقات بثديهن.
ورأى عيراً من أهل مكة في الإياب والذهاب
وقد دلهم على بعير ندّ لهم
وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون
ثم ترك الإناء مغطى
وقد صار ذلك دليلاً على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء.
قال ابن القيم فلما أصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في قومه أخبرهم بما أراه اللَّه عز وجل من آياته الكبرى
فاشتد تكذيبهم له
وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس
فجلاه اللَّه له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته
ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئاً
وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه
وأخبرهم عن وقت قدومها
وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال
فلم يزدهم ذلك إلا نفوراً
وأبى الظالمون إلا كفوراً.
يقال سمى أبو بكر رضي اللَّه عنه صديقاً
لتصديقه هذه الوقعة حين كذبها الناس.
وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة

هو قوله تعالى
(لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)

وهذه سنة اللَّه في الأنبياء

قال تعالى
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ)

والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة
إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة
ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة
وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة النبوية
على صاحبها الصلاة والسلام والتحية
أرى أن نسجّل بعضاً منها
بالإيجاز يرى القارىء في سورة الإسراء
أن اللَّه ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط
ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم
ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
فربما يظن القارىء
أن الآيتين ليس بينهما ارتباط
والأمر ليس كذلك
فإن اللَّه تعالى يشير بهذا الأسلوب
إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس
لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية
لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم
على هذا المنصب
وأن اللَّه سينقل هذا المنصب فعلاً
إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما
فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة
من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان
إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات
ولا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن
الذي يهدي للتي هي أقوم.
ولكن كيف تنتقل هذه القيادة
والرسول يطوف في جبال مكة مطروداً بين الناس
هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى
وهي أن دوراً من هذه الدعوة الإسلامية
قد أوشك إلى النهاية والتمام
وسيبدأ دور آخر يختلف عن الأول في مجراه
ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر
ووعيد شديد بالنسبة إلى المشركين

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ
وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)

إلى جانب هذه الآيات آيات أخرى تبين للمسلمين
قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها
التي يبتنى عليها مجتمعهم الإسلامي
ففيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم
سيجد ملجأ ومأمناً يستقر فيه أمره
ويصير مركزاً لبث دعوته في أرجاء الدنيا
هذا سر من أسرار هذه الرحلة المباركة

البروفيسور
07-25-2013, 01:11 AM
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
ولما تم اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم
نزل إليه جبريل بوحي ربه تبارك وتعالى
فأخبره بمؤامرة قريش
وأن اللَّه قد أذن له في الخروج وحدد له وقت الهجرة
قائلاً لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم
إلى أبي بكر رضي اللَّه عنه
قالت عائشة رضي اللَّه عنها بينما نحن جلوس
في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة
قال قائل لأبي بكر هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في ساعة لم يكن يأتينا فيها
فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي
واللَّه ما جاء في هذه الساعة إلا أمر.
قالت
فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستأذن
فأذن له، فدخل
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر
اخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك
بأبي أنت يا رسول اللَّه
قال: فإني قد أذن لي في الخروج
فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول اللَّه
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نعم
وبعد إبرام خطة الهجرة رجع رسول اللَّه صلى الله عليه
وسلم إلى بيته ينتظر مجيء الليل.

تطويق منزل الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

بمجرمين قريش فقضوا نهارهم في الإعداد
لتنفيذ الخطة المرسومة التي أبرمها
برلمان مكة دار الندوة صباحاً
واختير لذلك أحد عشر رئيساً
قال ابن إسحاق
فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه
يرصدونه متى نام
فيثبون عليه.
وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل
فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر
ولكن اللَّه غالب على أمره
بيده ملكوت السماوات والأرض
يفعل ما يشاء
وهو يجير ولا يجار عليه
فقد فعل ما خاطب به الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فيما بعد

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ
أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)

ومع غاية استعداد قريش لتنفيذ خطتهم
قد فشلوا فشلاً فاحشاً
ففي هذه الساعة الحرجة
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
لعلي بن أبي طالب نم على فراشي
ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء
فجعل يذره على رؤوسهم
وقد أخذ اللَّه أبصارهم عنه فلا يرونه
وهو يتلو

(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)

فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً
ومضى إلى بيت أبي بكر
وبقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر
وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل
فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم
ورآهم ببابه فقال
ما تنتظرون
قالوا محمداً
قال: خبتم وخسرتم
قد واللَّه مر بكم وذر على رؤوسكم التراب
وانطلق لحاجته
قالوا واللَّه ما أبصرناه
وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم
ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا علياً رضي الله عنه
فقالوا واللَّه إن هذا لمحمد نائماً
عليه برده
فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا
وقام علي عن الفراش
فسقط في أيديهم
وسألوه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فقال لا علم لي به

البروفيسور
07-25-2013, 01:12 AM
غادر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيته
وأتى إلى دار رفيقه
وأمن الناس عليه في صحبته وماله
أبي بكر رضي اللَّه عنه
ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفي
ليخرجا من مكة على عجل
وقبل أن يطلع الفجر.

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم
يعلم أن قريشاً ستجدّ في طلبه
وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار
لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالاً
فقد سلك الطريق الذي يضاده تماماً
وهو الطريق الواقع جنوب مكة
والمتجه نحو اليمن سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال
حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور
وهذا جبل شامخ
وعر الطريق، صعب المرتقى
ذا أحجار كثيرة
فحفيت قدما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقيل
بل كان يمشي في الطريق على أطراف قدميه
كي يخفي أثره فحفيت قدماه
وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل
وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل
عرف في التاريخ بغار ثور.

إذْ هما في الغار
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر
واللَّه لا تدخله حتى أدخل قبلك
فإن كان فيه شيء أصابني دونك
فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به
وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه
ثم قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ادخل فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ووضع رأسه في حجره ونام
فلدغ أبو بكر في رجله من الحجر
ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فسقطت دموعه على وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فقال ما لك يا أبا بكر؟
قال لدغت فداك أبي وأمي
فتفل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فذهب ما بجسده.
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد
لديها إفلات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ليلة تنفيذ المؤامرة فأول ما فعلوه أنهم ضربوا علياً
وسحبوه إلى الكعبة
جاؤوا إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه
وقرعوا بابه
فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر
فقالوا لها أين أبوك؟
قالت لا أدري واللَّه أين أبي؟
فرفع أبو جهل يده
وكان فاحشاً خبيثاً
فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها
وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة
استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض
على الرجلين فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة
(في جميع الجهات)
تحت المراقبة المسلحة الشديدة
كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر
في الطلب وانتشروا في الجبال والوديان
لكن من دون جدوى وبغير عائدة.

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار
ولكن اللَّه غالب على أمره
روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار
فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم
فقلت يا نبي اللَّه لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا
قال اسكت يا أبا بكر
اثنان اللَّه ثالثهما
وفي لفظ ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما.

وقد كانت معجزة أكرم اللَّه بها نبيه صلى الله عليه وسلم
فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم
إلا خطوات معدودة.
وحين خمدت نار الطلب
وتوقفت أعمال دوريات التفتيش
وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة
ثلاثة أيام بدون جدوى تهيأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وصاحبه للخروج إلى المدينة

وكانا قد استأجرا عبد اللَّه بن أريقط الليثي
وكان هادياً ماهراً بالطريق
وكان على دين كفار قريش
وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما
وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما
جاءهما عبد اللَّه بن أريقط بالراحلتين
وحينئذ قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم
بأبي أنت يا رسول اللَّه خذ إحدى راحلتي هاتين
وقرب إليه أفضلهما
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالثمن.

وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنها بسفرتهما
ونسيت أن تجعل لها عصاماً
فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام
فشقت نطاقها باثنين
فعلقت السفرة بواحد
وانتطقت بالآخر فسميت ذات النطاقين
ثم ارتحل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر رضي اللَّه عنه وارتحل معهما عامر بن فهيرة
وأخذ بهم الدليل
عبد اللَّه بن أريقط على طريق السواحل.

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار
أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن
ثم اتجه غرباً نحو الساحل
حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس
اتجه شمالاً على مقربة من شاطىء البحر الأحمر
وسلك طريقاً لم يكن يسلكه أحد إلا نادراً.

وهي السنة الأولى من الهجرة
نزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقباء.
قال عروة بن الزبير
سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
من مكة
فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة
فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة
فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم
فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود
على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه
فبصر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب
فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب
هذا جدكم الذي تنتظرون
فثار المسلمون إلى السلاح.
قال ابن القيم
وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف
وكبر المسلمون فرحاً بقدومه
وخرجوا للقائه
فتلقوه
فأحدقوا به مطيفين حوله
والسكينة تغشاه
والوحي نزل عليه

(فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال
وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله في تاريخها
ونزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقباء
وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقباء
أربعة أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس
وأسس مسجد قباء وصلى فيه
وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة
فلما كان يوم الخامس يوم الجمعة
ركب بأمر اللَّه له وأبو بكر ردفه
وأرسل إلى بني النجار أخواله
فجاؤوا متقلدين سيوفهم
فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف
فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي
وكانوا مائة رجل.

البروفيسور
07-25-2013, 01:12 AM
الدخول في المدينة

ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس
وكانت بنات الأنصار تتغنى

بهذه الأبيات فرحاً وسروراً
أشرق البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

والأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة
إلا أن كل واحد منهم
كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عنده
فكان لا يمر بدار من دور الأنصار
إلا أخذوا خطام راحلته هلّم إلى العدد
والعدة والسلاح والمنعة
فكان يقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة
فلم تزل سائرة به حتى وصلت
إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت
ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً
ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول
فنزل عنها
وذلك في بني النجار أخواله
صلى الله عليه وسلم
وكان من توفيق اللَّه لها
فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك
فجعل الناس يكلمون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في النزول عليهم
بادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله
فأدخله ببيته
فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول المرء
مع رحله
وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته
وكانت عنده.

إلى هنا انتهى قسم من حياته صلى الله عليه وسلم
وتم دور من الدعوة الإسلامية
وهو الدور المكي.

الحيَاة في المدينة
يمكن تقسيم العهد المدني إلى ثلاث مراحل

1 مرحلة أثيرت فيها القلاقل والفتن
وأقيمت فيها العراقيل من الداخل
وزحف فيها الأعداء إلى المدينة
وهذه المرحلة تنتهي إلى صلح الحديبية
في ذي القعدة سنة 6 من الهجرة.

2 مرحلة الهدنة مع الزعامة الوثنية
وتنتهي بفتح مكة
في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة
وهي مرحلة دعوة الملوك إلى الإسلام

3 مرحلة دخول الناس في دين اللَّه أفواجاً
وهي مرحلة توافد القبائل والأقوام إلى المدينة
وهذه المرحلة تمتد
إلى انتهاء حيارة الرسول صلى الله عليه وسلم
في ربيع الأول سنة 11 من الهجرة.

بناء المسجد النبوي

وأول خطوة خطاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي
ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد
واشتراه من غلامين يتيمين كان يملكانه
وساهم في بنائه بنفسه
كان ينقل الحجارة ويقول

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة
وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة
في البناء

وكانت في ذلك المكان قبور المشركين
فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بقبور المشركين فنبشت
وبالخرب فسويت
وبالنخل والشجرة فقطعت
وصفت في قبلة المسجد
وكانت القبلة إلى بيت المقدس
وجعلت عضادتاه من حجارة
وأقيمت حيطانه من الطين
وجعل سقفه من جريد النخل
وعمده الجذوع
وفرشت أرضه من الرمال والحصباء
وجعلت له ثلاثة أبواب
وطوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع
والجانبان مثل ذلك أو دونه
وكان أساسه قريباً من ثلاثة أذرع
وبنى بيوتاً إلى جانبه
وسقفها بالجريد والجذوع
وهي حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم
وبعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب.
ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلوات فحسب
بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته
وكان مع هذا كله داراً يسكن فيها عدد كبير
من فقراء المهاجرين اللاجئين
الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون
وفي أوائل الهجرة شرع الأذان
التي تدوي في الآفاق
كل يوم خمس مرات
والتي ترتج لها أنحاء عالم الوجود

المؤاخاة بين المسلمين

وكما قام النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد
مركز التجمع والتآلف
قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ
وهو المؤاخاة بين المهاجرين الأنصار
قال ابن القيم ثم آخى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بين المهاجرين الأنصار
في دار أنس بن مالك
وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين
ونصفهم من الأنصار
آخى بينهم على المواساة
ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام
إلى حين وقعة بدر

فلما أنزل اللَّه عز وجل
(وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)

ومعنى هذا الإخاء كما قال محمد الغزالي
أن تذوب عصبيات الجاهلية
فلا حمية إلا للإسلام
وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن
فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه.
وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة
عقداً نافذاً لا لفظاً فارغاً وعملاً يرتبط بالدماء والأموال
لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.
وكانت عواطف الإيثار والمواساة
تمتزج في هذه الأخوة
وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال.

البروفيسور
07-25-2013, 01:12 AM
حقاً فقد كانت هذه المؤاخاة حكمة فذة
وسياسة صائبة حكيمة

غزوة بدر الكبرى

أول معركة من معارك الإسلام
أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم
في ذهابها من مكة إلى الشام
ولما قرب رجوعها من الشام إلى مكة
بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد اللَّه
وسعيد بن زيد إلى الشمال
ليقوما باكتشاف خبرها
فوصلا إلى الحوراء
ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير
فأسرعا إلى المدينة
وأخبرا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالخبر
كانت العير محمَّلة بثرواتٍ طائلة من أهل مكة
ألف بعير موقرة بالأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي
ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلاً
أعلن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسلمين
قائلاً هذه عير قريش فيها أموالهم
فاخرجو إليها لعل اللَّه ينفلكموها.

واستعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للخروج
واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم
ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي
وكان هذا اللواء أبيض.

وقسم جيشه إلى ...

1. كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها لعلي بن أبي طالب.
2. كتيبة الأنصار، وأعطى علمها لسعد بن معاذ

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام
وعلى الميسرة المقداد بن عمرو
وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش
وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصع
وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم
كقائد أعلى للجيش.

سار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش
ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة
حتى بلغ بئر الروحاء
ولما ارتحل منها ترك طريق مكة بيسار
وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً
فسلك في ناحية منها
حتى وادياً يقال له رحقان بين النازية

وأما خبر العير فإن أبا سفيان
وهو المسؤول عنها
كان على غاية من الحيطة والحذر
فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار
وكان يتحسس الأخبار
ويسأل من لقي من الركبان
ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته
بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه
ليوقع بالعير

وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري
إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى غيرهم
ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه
وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة
فصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره
وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش
اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان
قد عرض لها محمد في أصحابه
لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.

البروفيسور
07-25-2013, 01:13 AM
ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما
فأخذ من أبعار بعيرهما
ففته، فإذا فيه النوى
فقال: هذه واللَّه علائف يثرب
فرجع إلى عيره سريعاً
وضرب وجهها محولاً اتجاهها نحو الساحل غرباً
تاركاً الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار
وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة
وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة.

أما استخبارات جيش المدينة

فقد نقلت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وهو لا يزال في الطريق
خبر العير والنفير
وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار
أنه لم يبق مجال للاجتناب
وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة
والجراءة والجسارة
فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس
خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيماً
لمكانة قريش العسكرية
وإضعافاً لكلمة المسلمين وتوهيناً لها
ونظراً إلى هذا التطور الخطير المفاجىء
عقد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مجلساً عسكرياً استشارياً
أشار فيه إلى الوضع الراهن
وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته.
وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس
وخافوا اللقاء الدامي

وهم الذين قال اللَّه فيهم
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ
إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ)

وأما قادة الجيش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن
ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن
ثم قام المقداد بن عمرو فقال
يا رسول اللَّه امض لما أراك اللَّه فنحن معك
واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى
اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون
فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد
لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له به.
وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين
وهم أقلية في الجيش
فأحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يعرف
رأي قادة الأنصار
لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش
ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم
مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال
خارج ديارهم فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة أشيروا علي
أيها الناس وإنما يريد الأنصار
وفطن ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ
فقال
واللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه؟
قال: أجل.
قال: فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به
هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة
فامض يا رسول اللَّه لما أردت فوالذي بعثك بالحق
لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك
ما تخلف منا رجل واحد
وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إن لصبر في الحرب
صدق في اللقاء
ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة اللَّه.

فسر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقول سعد
ثم قال: سيروا وأبشروا فإن اللَّه تعالى قد وعدني
إحدى الطائفتين
واللَّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم

البروفيسور
07-25-2013, 01:14 AM
وهناك قام بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار
أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه
وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة
إذا هما بشيخ من العرب
فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قريش
وعن محمد وأصحابه
سأل عن الجيشين زيادة في التكتم
ولكن الشيخ قال
لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟
فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إذا أخبرتنا أخبرناك قال: أو ذاك بذلك؟ قال: نعم.

قال الشيخ فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا
يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني
فهم اليوم بمكان كذا وكذا
للمكان الذي به جيش المدينة
وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا
فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا
للمكان الذي به جيش مكة.
ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟
فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نحن من ماء
ثم انصرف عنه


نزول المطر

وأنزل اللَّه عز وجل في تلك الليلة مطراً واحداً
فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم
وكان على المسلمين طلا طهرهم به
وأذهب عنهم رجس الشيطان
ووطأ به الأرض
وصلب به الرمل، وثبت الأقدام
ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم.

وتحرك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر
ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه
فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر
وهنا قام الحباب بن المنذر كخبير عسكري وقال
يا رسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكم اللَّه
ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه
أم هو الرأي والحرب والمكيدة
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

قال: يا رسول اللَّه
فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء
من القوم - قريش - فننزله ونغوّر -
أين نخرب - ما وراءه من القلب -
ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب
ولا يشربون، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
لقد أشرت بالرأي.

فنهض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجيش
حتى أتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه شطر الليل
وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء
اقترح سعد بن معاذ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أن يبني المسلمون مقراً لقيادته استعداداً للطوارىء
وتقديراً للهزيمة قبل النصر، حيث قال:
يا نبي اللَّه ألا نبني لك عريشاً تكون فيه
ونعد عندك ركائبك
ثم نلقى عدونا
فإن أعزنا اللَّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا
وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك
فلحقت بمن وراءنا من قومنا
فقد تخلف عنك أقوام يا نبي اللَّه
ما نحن بأشد لك حباً منهم ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك
يمنعك اللَّه بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
فأثنى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
خيراً ودعا له بخير
وبنى المسلمون عريشاً على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال
ويشرف على ساحة المعركة.
كما تم انتخاب فرقة من شباب الأنصار
بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
حول مقر قيادته.
ثم مشى مع جيشه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
الى موضع المعركة
وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه
وهذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه
ثم بات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي
إلى جذع شجرة
وبات المسلمون ليلهم هادىء الأنفاس منير الآفاق
غمرت الثقة قلوبهم
وأخذوا من الراحة قسطهم
يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحاً

(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ
وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)

كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابع عشر من شهر رمضان
في السنة الثانية من الهجرة
وكان خروجه في 8 أو 12 من نفس الشهر.
ولما طلع المشركون وترآى الجمعان
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك
وتكذب رسولك
اللهم فنصرك الذي وعدتني
اللهم أحنهم الغداة وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر
إن يكن في أحد من القوم خير
فعند صاحب الجمل الأحمر
إن يطيعوه يرشدوا.
وعدل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين
وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب
فقد كان في يده قدح يعدل به
وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف
فطعن في بطنه بالقدح وقال
استو يا سواد
فقال سواد يا رسول اللَّه أوجعتني فأقدني
فكشف عن بطنه
وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه
فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟
قال: يا رسول اللَّه قد حضر ما ترى
فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك
فدعا له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخير.
ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه
بأن لا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة
ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال
إذا أكثبوكم - يعني كثروكم
فارموهم واستبقوا نبلكم
ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم
ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة
وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش.
أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم
فقال: اللهم اقطعنا للرحم وآتنا بما لا نعرفه فأحنه الغداة
اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم

وفي ذلك أنزل اللَّه
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ
فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)

وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي
وكان رجلاً شرساً سيء الخلق
خرج قائلاً أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم
أو لأهدمنه أو لأموتن دونه
فلما خرج
خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه
فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه
وهو دون الحوض
فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه
ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن تبر يمينه
ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى
أتت عليه وهو داخل الحوض.
وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة
فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا
من عائلة واحدة
وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة
والوليد بن عتبة فلما انفصلوا من الصف
طلبوا المبارزة فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار
عوف ومعوذ ابنا الحارث
وأمهما عفراء
وعبد اللَّه بن رواحة
فقالوا: من أنتم
قالوا رهط من الأنصار
قالوا: أكفاء كرام
ما لنا بكم حاجة
وإنما نريد بني عمنا
ثم نادى مناديهم يا محمد
أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي
فلما قاموا ودنوا منهم
قالوا من أنتم؟ فأخبروهم فقالوا
أنتم أكفاءٌ كرام
فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة
وبارز حمزة شيبة
وبارز علي الوليد
فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما
وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان
فأثخن كل واحد منهما صاحبه
ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة
قد قطعت رجله
فلم يزل صمتاً حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر
حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة.
وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين
فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة فاستشاطوا غضباً
وكروا على المسلمين كرة رجل واحد.
وأما المسلمون فبعد أن استنصروا
ربهم واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه
تلقوا هجمات المشركين المتوالية
وهم مرابطون في مواقعهم
واقفون موقف الدفاع
وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة
وهم يقولون أحد أحد.
وأما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف
يناشد ربه ما وعده من النصر
ويقول اللهم أنجز لي ما وعدتني
اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك
حتى إذا حمي الوطيس، واستدارت الحرب بشدة
واحتدم القتال وبلغت المعركة قمتها
قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد
اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً
وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه
فرده عليه الصديق
وقال: حسبك يا رسول اللَّه
ألححت على ربك.

وأوحى اللَّه إلى ملائكته
(أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)
وأوحى إلى رسوله
(أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ)

أي أنهم ردف لكم
أو يردف بعضهم بعضاً
لا يأتون دفعة واحدة.

البروفيسور
07-25-2013, 01:14 AM
وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي
ولكنه لم يزل حذراً متيقظاً
ولما اقترب من بدر تقدم عيره
حتى لقي مجدي بن عمرو
وسأله عن جيش المدينة
فقال: ما رأيت أحداً أنكره إلا أني قد رأيت راكبين
قد أناخا إلى هذا التل
ثم استقيا في شن لهما

نزول الملائكة

وفي رواية محمد بن إسحاق قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أبشر يا أبا بكر
أتاك نصر اللَّه، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده
على ثناياه النقع.
ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من باب العريش
وهو يثب في الدرع ويقول

(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)

ثم أخذ حفنة من الحصباء
فاستقبل بها قريشاً وقال شاهت الوجوه
ورمى بها في وجوههم
فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخريه
وفمه من تلك القبضة

في ذلك أنزل اللَّه
(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)

وبدأت أمارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين
واقتربت المعركة من نهايتها
وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب

أما الطاغية الأكبر أبو جهل
فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه
حاول أن يصمد في وجه هذا السيل
فجعل يشجع جيشه
ولكن سرعان ما تبدى له حقيقة هذه الغطرسة
فما لبث إلا قليلاً حتى أخذت الصفوف تتصدع
أمام تيارات هجوم المسلمين.
وحينئذ ظهر هذا الطاغية
ورآه المسلمون يجول على فرسه
وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه
بأيدي غلامين أنصاريين.

انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة إلى المشركين
وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين
وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة
أربعة عشر رجلاً
ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة
قتل منهم سبعون وأسر سبعون
وعامتهم القادة والزعماء
ولما انقضت الحرب أقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
حتى وقف على القتلى

فقال: بئس العشيرة كنتم لنبيكم
كذبتموني وصدقني الناس
وخذلتموني ونصرني الناس
وأخرجتموني وآواني الناس
ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.

فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة
تبعثروا في الوديان والشعاب
واتجهوا صوب مكة مذعورين
لا يدرون كيف يدخلونها خجلاً.

وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة
حتى إنهم أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم
ولما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكباً القصواء
ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قال: لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها
وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلاّ.
لما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة
استشار أصحابه في الأسرى
فقال أبو بكر يا رسول اللَّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان
وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية
فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار
وعسى أن يهديهم اللَّه
فيكونوا لنا عضداً.
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ما ترى يا ابن الخطاب؟
قال: قلت واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر
ولكن أرى أن تمكنني من فلان
قريب لعمر فأضرب عنقه
وتمكن علياً من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه
وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه
فهوى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر
ولم يهو ما قلت
وأخذ منهم الفداء
فلما كان من الغد قال عمر فغدوت
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر
هما يبكيان
فقلت يا رسول اللَّه أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟
فإن وجدت بكاء بكيت
وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء
فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة
شجرة قريبة.

وأنزل اللَّه تعالى
(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا
وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

واستقر الأمر على رأي الصديق فأخذ منهم الفداء
وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم
إلى ألف درهم
وكان أهل مكة يكتبون
وأهل المدينة لا يكتبون فمن لم يكن عنده فداء
دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم
فإذا حذقوا فهو فداء.
وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان
وفرضت زكاة الفطر
وبينت أنصبة الزكاة الأخرى
وكانت فريضة زكاة الفطر وتفصيل أنصبة الزكاة الأخرى
تخفيفاً لكثير من الأوزار التي يعانيها
عدد كبير من المهاجرين اللاجئين
الذين كانوا فقراء لا يستطيعون ضرباً في الأرض.
ومن أحسن المواقع
أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم
هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2هـ
إثر الفتح المبين الذي حصلوا عليه في غزوة بدر
فما أروق هذا العيد السعيد الذي جاء به اللَّه
بعد أن توج هامتهم بتاج الفتح والعز
وما أروع منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد
أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير
والتوحيد والتحميد
وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى اللَّه
وحنينا إلى رحمته ورضوانه

وذكرهم بذلك قائلاً
(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ
تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

البروفيسور
07-25-2013, 01:15 AM
استعداد قريش لمعركة ناقمة

كانت مكة تحترق غيظاً على المسلمين مما أصابها
في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف
وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر
حتى إن قريشاً كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر
ومنعوا من الاستعجال في فداء الأسرى
حتى لا يتفطن المسلمون مدى مأساتهم وحزنهم.
وعلى إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين
تشفي غيظها وتروي غلة حقدها
وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة
وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية
وأبو سفيان بن حرب، وعبد اللَّه بن ربيعة
أكثر زعماء قريش نشاطاً وتحماساً لخوض المعركة.
وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير
التي كان قد نجا بها أبو سفيان
والتي كانت سبباً لمعركة بدر.
وقالوا للذين كانت فيها أموالهم يا معشر قريش
إن محمداً قتل خياركم
فأعينونا بهذا المال على حربه
لعلنا ندرك منه ثأراً، فأجابوا لذلك
فباعوها وكانت ألف بعير
والمال خمسين ألف دينار

وفي ذلك أنزل اللَّه تعالى
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها
واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل
من قريش والحلفاء
وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب
وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد
يعاونه عكرمة بن أبي جهل
أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار.
جيش مكة يتحرك:
تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة
وكانت الثارات القديمة والغيظ الكامن
يشعل البغضاء في القلوب
وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش
واستعداداتها العسكرية
فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة
إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ضمنها جميع تفاصيل الجيش.
وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة
وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة
التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلومتراً
في ثلاثة أيام
وسلم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
وهو في مسجد قباء.
قرأ الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم
أبي بن كعب فأمره بالكتمان
وعاد مسرعاً إلى المدينة
وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار.
وظلت المدينة في حالة استنفار عام
لا يفارق رجالها السلاح حتى وهم في الصلاة
وقامت بعض من الأنصار
فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة
بحراسة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح.
وقامت على مداخل المدينة وأنقابها
مفرزات تحرسها
وقامت دوريات من المسلمين
لاكتشاف تحركات العدو
تتجول حول الطرق التي يحتمل
أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين
وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسية المعتادة
ولما وصل إلى الأبواء
اقترحت هند بنت عتبة
زوج أبي سفيان
بنبش قبر أم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
بيد أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب
وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم
لو فتحوا هذا الباب.

ثم واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة
فسلك وادي العقيق
ثم انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل
قريباً بجبل أحد في مكان يقال له عينين في بطن السبخة
من قناة على شفير الوادي
الذي يقع شمالي المدينة
فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال
سنة ثلاث من الهجرة.
ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس يوم الجمعة
فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد
وأخبر أن لهم النصر بما صبروا
وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم
ففرح الناس بذلك.
ثم صلى بالناس العصر
وقد حشدوا وحضر أهل العوالي ثم دخل بيته
ومعه صاحباه أبو بكر وعمر
لبس درعاً فوق درع وتقلد السيف
ثم خرج على الناس.

وقسم النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إلى ثلاث كتائب

1. كتيبة المهاجرين
وأعطى لواءها مصعب بن عمير العبدري.
2. كتيبة الأوس من الأنصار
وأعطى لواءها أسيد بن حضير.
3. كتيبة الخزرج من الأنصار
وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.
وكان الجيش من ألف مقاتل فيهم مائة دارع
وخمسون فارساً وقيل لم يكن من الفرسان أحد

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة
بمن بقي في المدينة
وأذن بالرحيل فتحرك الجيش نحو الشمال
وخرج السعدان أمام النبي صلى الله عليه وسلم
يعدوان دارعين.
ولما جاوز ثنية الوداع رأى كتيبة حسنة التسليح منفردة
عن سواد الجيش
فسأل عنها، فأخبر أنهم اليهود من حلفاء الخزرج
يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين
فسأل هل أسلموا؟ فقالوا
لا، فأبى أن يستعين بأهل الكفر على أهل الشرك.

وعندما وصل إلى مقام يقال له الشيخان
استعرض جيشه، فرد من استصغره
ولم يره مطيقاً للقتال
وأجاز راع بن خديج
وسمرة بن جندب على صغر سنهما
وذلك أن رافع بن خديج كان ماهراً في رماية النبل
فأجازه فقال سمرة أنا أقوى من رافع، أنا أصرعه
فلما أخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك
أمرهما أن يتصارعا أمامه، فتصارع
فصرع سمرة رافعاً، فأجازه أيضاً.

وفي هذا المكان أدركهم المساء
فصلى المغرب، ثم صلى العشاء
وبات هناك
وانتخب خمسين رجلاً لحراسة المعسكر يتجولون حوله
وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج حتى إذا كان
بالشوط صلى الفجر
وكان بمقربة من العدو
فقد كان يراهم ويرونه
وهناك تمرد عبد اللَّه بن أبي المنافق
فانسحب بنحو ثلث العسكر - ثلاثمائة مقاتل
قائلاً ما ندري علام نقتل أنفسنا؟
ومتظاهراً بالاحتجاج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم
ترك رأيه وأطاع غيره.
ولا شك أن سبب هذا الانعزال
لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأيه
وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان
المعنى
بل لو كان هذا هو السبب
لانعزل عن الجيش منذ بداية سيره
بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد
في ذلك الظرف الدقيق
أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين
على مرأى ومسمع من عدوهم
حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي صلى الله عليه وسلم
وتنهار معنويات من يبقى معه
بينما يتشجع العدو
وتعلو همته لرؤية هذا المنظر
فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المخلصين
ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه.
وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه
فقد همت طائفتان
بني حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج
أن تفشلا، ولكن اللَّه تولاهما فثبتتا بعد ما سرى
فيهما الاضطراب وهمتا بالرجوع والانسحاب

وعنهما يقول اللَّه تعالى
(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)

وحاول عبد اللَّه بن حرام
والد جابر بن عبد اللَّه - تذكير هؤلاء المنافقين
بواجبهم في هذا الظرف الدقيق
فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع
ويقول تعالوا قاتلوا في سبيل اللَّه أو ادفعوا
قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع
فرجع عنهم عبد اللَّه بن حرام قائلاً
أبعدكم اللَّه، أعداء اللَّه، فسيغني اللَّه عنكم نبيه.

وفي هؤلاء المنافقين يقول اللَّه تعالى

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ
مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون)

البروفيسور
07-25-2013, 01:18 AM
وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية

فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي
فلم يلبث أن أباد عبد اللَّه بن جبير وأصحابه
ثم انقض على المسلمين من خلفهم
وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد
فانقلبوا على المسلمين
وأسرعت امرأة منهم
وهي عمرة بنت علقمة الحارثية
فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب
فالتف حوله المشركون
وتنادى بعضهم بعضاً
حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال
وأحيط المسلمون من الأمام والخلف

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حينئذ
أمامه طريقان

إما أن ينجو - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة
إلى ملجأ مأمون
ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور
وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله
ويتخد بهم جبهة قوية يشق بها الطريق
لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.

وهناك تجلت عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم
وشجاعته المنقطعة النظير
فقد رفع صوته ينادي أصحابه

عباد اللَّه، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته
قبل أن يسمعه المسلمون
ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه
في هذا الظرف الدقيق.
أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق
طار صواب طائفة منهم
فلم تكن تهمها إلا أنفسها
فقد أخذت طريق الفرار
وتركت ساحة القتال
وهي لا تدري ماذا وراءها؟

وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها
وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل
ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين
والتبس العسكران، فلم يتميزوا
فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض

ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار
وهو يتشحط في دمه

فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل؟
فقال الأنصاري إن كان محمد قد قتل فقد بلغ فقاتلوا
عن دينكم.

وبمثل هذا الاستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين
روحهم المعنوية
ورجع إليهم رشدهم وصوابهم

فعدلوا عن فكرة الاستسلام وأخذوا سلاحهم
يهاجمون تيارات المشركين
وهم يحاولون شق الطريق إلى مقر القيادة
وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم
كذب مختلق
فزاد ذلك قوة على قوتهم
فنجحوا في الإفلات عن التطويق
وفي التجمع حول مركز منيع بعد أن باشروا القتال المرير
وجالدوا بضراوة بالغة.
وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم
إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وعمل التطويق في بدايته

وفي مقدمة هؤلاء
أبو بكر الصديق
وعمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب
وغيرهم رضي اللَّه عنهم
كانوا في مقدمة المقاتلين

فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة عليه الصلاة والسلام
صاروا في مقدمة المدافعين.
احتدام القتال حول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق
تطحن بين شقى رحى المشركين
كان العراك محتدماً حول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقد ذكرنا أن المشركين
لما بدأوا عمل التطويق
لم يكن مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا تسعة نفر
فلما نادى المسلمين هلم إلي
أنا رسول اللَّه، سمع صوته المشركون
وعرفوه فكروا إليه
ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين
فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف

ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش
فلما رهقوه قال
من يردهم عنا وله الجنة؟
أو هو رفيقي في الجنة؟
فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل
ثم رهقوه أيضاً فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لصاحبيه
أي القرشيين
ما أنصفنا أصحابنا.
وكان آخر هؤلاء السبعة
هو عمارة بن يزيد بن السكن
قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط.

وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول صلى الله عليه وسلم
في القرشيين فقط
ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال
لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم
في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن
غير طلحة بن عبيد اللَّه وسعد بن أبي وقاص
وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين
ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة
فقد ركزوا حملتهم على النبي صلى الله عليه وسلم
وطمعوا في القضاء عليه
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته
وشج في رأسه
فجعل يسلت الدم عنه ويقول كيف يفلح قوم شجوا
وجه نبيهم
وكسروا رباعيته
وهو يدعوهم إلى اللَّه

فأنزل اللَّه عز وجل
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)

وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ اشتد غضب اللَّه
على قوم دموا وجه رسوله
ثم مكث ساعة ثم قال
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
وكذا في صحيح مسلم
أنه كان يقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون

ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون إلى القضاء
على حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللَّه
قاما ببطولة نادرة
وقاتلا ببسالة منقطعة النظير
حتى لم يتركا وهما اثنان فحسب
سبيلاً إلى نجاح المشركين في هدفهم
وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا
حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .

وأما طلحة بن عبيد اللَّه
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه
يومئذ من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه.
وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت
كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال
ذلك اليوم كله لطلحة
وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة
أنزل اللَّه نصره بالغيب
ففي الصحيحين عن سعد، قال
رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم أحد
ومعه رجلان يقاتلان عنه
عليهما ثياب بيض كأشد القتال
ما رأيتهما قبل ولا بعد
وفي رواية يعني جبريل وميكائيل

البروفيسور
07-25-2013, 01:19 AM
غزوة الاحزاب

خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود
وسادات بني النضير إلى قريش بمكة
يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم
ووعدهم من أنفسهم بالنصر لهم فأجابتهم قريش

ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان
فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً فاستجابوا
فاستجاب له من استجاب
وفعلا خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم
من أهل تهامة
وقائدهم أبو سفيان
في أربعة آلاف
ووافاهم بنو سليم بمر الظهران
وخرجت من الشرق قبائل غطفان بنو فزارة
يقودهم عيينة بن حصن
وبنو مرة، يقودهم الحارث بن عوف
وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رخيلة
كما خرجت بنو أسد وغيرها.
واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة
على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه.
وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش
يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل
جيش ربما يزيد عدده على جميع من في المدينة
من النساء والصبيان والشباب والشيوخ.
ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة
لم تزل واضعة أناملها على العروق النابضة
تتجسس الظروف وتقدر ما يتمخض عن مجراها
فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها
حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها فيها
بهذا الزحف الخطير
وسارع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى
عقد مجلس استشاري
تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة
وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى
اتفقوا على قرار
قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي اللَّه عنه
قال سلمان يا رسول اللَّه
إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا
وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.
وأسرع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إلى تنفيذ هذه الخطة
فوكل إلى كل عشرة رجال
أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعاً.
وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق
ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يحثهم ويساهمهم في عملهم هذا

ففي البخاري عن سهل بن سعد
قال: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في الخندق، وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب
على أكتادنا

فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للمهاجرين والأنصار

كان المسلمون يعملون بهذا النشاط
وهم يقاسون من شدة الجوع
وأقبلت قريش في أربعة آلاف
حتى نزلت بمجتمع الأسيال

وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف
حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد

(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا
هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)

وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت
قلوبهم لرؤية هذا الجيش

(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا)

وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين
فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصنوا به
والخندق بينهم وبين الكفار
وكان شعارهم هم لا ينصرون
واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم
ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين
واقتحام المدينة وجدوا خندقاً عريضاً يحول بينهم وبينها
فالتجأوا إلى فرض الحصار على المسلمين
بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم
إذ كانت هذه الخطة
كما قالوا
مكيدة ما عرفتها العرب
فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم رأساً.
وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضاباً يتحسسون نقطة ضعيفة
لينحدروا منها
وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين يرشقونهم بالنبل
حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه
ولا يستطيعوا أن يقتحموه
أو يهيلوا عليه التراب
ليبنوا به طريقاً يمكنهم من العبور.
وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق
أو لبناء الطرق فيها
ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة
ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال
حتى فشل المشركون في محاولتهم.
ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة
فات بعض الصلوات عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين
ففي الصحيحين عن جابر رضي اللَّه عنه
أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق
فجعل يسب كفار قريش
فقال: يا رسول اللَّه ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
وأنا واللَّه ما صليتها فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان
فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها
فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى
بعدها المغرب.
وقد استاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين
ففي البخاري عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال يوم الخندق
ملأ اللَّه عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا
عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
وفي مسند أحمد والشافعي
أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء
فصلاهن جميعاً
ومن هنا يتضح أن محاولة العبور من المشركين والمكافحة المتواصلة
من المسلمين دامت أياماً
إلا أن الخندق لما كان حائلاً بين الجيشين
لم يجر بينهما قتال مباشر وحرب دامية
بل اقتصروا على المراماة والمناضلة.
وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين
يعدون على الأصابع ستة من المسلمين
وعشرة من المشركين
بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف.
وفي هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي اللَّه عنه
بسهم فقطع منه الأكحل
رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة
فدعا سعد
اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك
من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه
اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم
فإن كان بقي من حرب قريش شيء
فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك
وإن كنت وضعت الحرب
فافجرها واجعل موتتي فيها
وقال في آخر دعائه
ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
وبينما كان المسلمون يواجهون
هذه الشدائد على جبهة المعركة
كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها
تريد إيصال السم داخل أجسادهم.

البروفيسور
07-25-2013, 01:22 AM
انطلق كبير مجرمي بني النضير
إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرظي
سيد بني قريظة، وصاحب عقدهم وعهدهم
وكان قد عاقد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
على أن ينصره إذا أصابته حرب كما تقدم
فضرب عليه حيي الباب فأغلقه كعب دونه
فما زال يكلمه حتى فتح له بابه
فقال حيي إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام
جئتك بقريش على قادتها وسادتها
حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة
وبغطفان على قادتها وسادتها
حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد
قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا
حتى نستأصل محمداً ومن معه.
فقال له كعب جئتتي واللَّه بذل الدهر
وبجهام قد هراق ماؤه
فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء
ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه
فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً.
فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب
حتى سمح له على أن أعطاه عهداً من اللَّه
وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان
ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك
حتى يصيبني ما أصابك
فنقض كعب بن أسد عهده وبرىء
مما كان بينه وبين المسلمين

ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.

وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول صلى الله عليه وسلم
أثر عميق في حفظ المسلمين ونسائهم
ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون
في منعة من الجيش الإِسلامي
مع أنها كانت خالية عنهم تماماً
فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل
إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن
كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين
حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جملاً.
وانتهى الخبر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وإلى المسلمين فبادر إلى تحقيقه
حتى يستجلي موقف قريظة فيواجهه بما يجب
من الوجهة العسكرية

وبعث لتحقيق الخبر السعدين
سعد بن معاذ
وسعد بن عبادة وعبد اللَّه بن رواحة

وقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا
عن هؤلاء القوم أم لا؟
فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه
ولا تفتوا في أعضاد الناس
وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس
فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون
فقد جاهروهم بالسب والعداوة
ونالوا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقالوا: من رسول اللَّه؟
لا عهد بيننا وبين محمد
ولا عقد فانصرفوا عنهم
فلما أقبلوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
لحنوا له
وقالوا: عضل وقارة
أي أنهم على غدر، كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع.

وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون
فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء
يمنعهم من ضربهم من الخلف
بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه
وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة
من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ

وصاروا كما يقول اللَّه
(وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا)

ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال
كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر
وأحدنا اليوم لايأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط
وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه
إن بيوتنا عورة من العدو
فأذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا
فإنها خارج المدينة
وحتى همت بنو سلمة بالفشل

وفي هؤلاء أنزل اللَّه
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ
فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ
إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ
إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا)

أما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة
فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء
ثم غلبته روح الأمل فنهض يقول اللَّه أكبر
أبشروا يا معشر المسلمين
بفتح اللَّه ونصره
ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن
وكجزء من هذه الخطة
كان يبعث الحرس إلى المدينة
لئلا يؤتى الذراري والنساء على غرة
ولكن كان لا بد من إقدام حاسم
يفضي إلى تخاذل الأحزاب
وتحقيقاً لهذا الهدف
أراد أن يصالح عيينة بن حصن
والحارث بن عوف رئيسي غطفان
على ثلث ثمار المدينة
حتى ينصرفا بقومهما
ويخلوا المسلمون لإِلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة
على قريش التي اختبروا مدى قوتها وبأسها مراراً
وجرت المراوضة على ذلك
فاستشار السعدين في ذلك
فقالا يا رسول اللَّه إن كان اللَّه أمرك بهذا فسمعاً وطاعة
وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه
لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه
وعبادة الأوثان
وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى
أو بيعا فحين أكرمنا اللَّه بالإِسلام وهدانا له
وأعزنا بك نعطيهم أموالنا
واللَّه لا نعطيهم إلا السيف
فصوب رأيهما
وقال: إنما هو شيء أصنعه لكم
لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.

ثم إن اللَّه عز وجل وله الحمد
صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم
وفل حدهم
فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان
يقال له نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي
رضي اللَّه عنه
جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول اللَّه إني قد أسلمت
وإن قومي لم يعلموا بإسلامي
فمرني ما شئت
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إنما أنت رجل واحد
فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة
فذهب من فوره إلى بني قريظة
وكان عشيراً لهم في الجاهلية
فدخل عليهم وقال
قد عرفتم ودي إياكم
وخاصة ما بيني وبينكم
قالوا: صدقت
قال فإن قريشاً ليسوا مثلكم
البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم
لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره
وإن قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه
وبلدهم وأموالهم ونساؤهم
بغوه فإن أصابوا فرصة انتهزوها
وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منك
قالوا فما العمل يا نعيم
قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن
قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش
وقال لهم تعلمون ودي لكم ونصحي لكم
قالوا: نعم
قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم
من نقض عهد محمد وأصحابه
وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها
إليه ثم يوالونه عليكم
فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم
ثم ذهب إلى غطفان
فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت من شوال - سنة 5هـ
بعثوا إلى يهود أنا لسنا بأرض مقام
وقد هلك الكراع والخف
فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً
فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت
وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه
ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن
وفلما جاءتهم رسهلم بذلك
قالت قريش وغطفان صدقكم واللَّه نعيم
فبعثوا إلى يهود أنا واللَّه لا نرسل إليكم أحداً
فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً
فقالت قريظة صدقكم واللَّه نعيم
فتخاذل الفريقان
ودبت الفرقة بين صفوفهم
وخارت عزائمهم.

وكان المسلمون يدعون اللَّه تعالى
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا
ودعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
على الأحزاب
فقال اللهم منزل الكتاب
سريع الحساب
اهزم الأحزاب
اللهم اهزمهم وزلزلهم.

وقد سمع اللَّه دعاء رسوله والمسلمين
فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين
وسرى بينهم التخاذل أرسل اللَّه عليهم جنداً
من الريح فجعلت تقوض خيامهم
ولا تدع لهم قدراً إلا كفأتها
ولا طنباً إلا قلعته
ولا يقر لهم قرار، وأرسل جنداً من الملائكة يزلزلونهم
ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.

البروفيسور
07-25-2013, 01:24 AM
وأرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في تلك الليلة الباردة القارصة
حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم
فوجدهم على هذه الحال
وقد تهيأوا للرحيل
فرجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فأخبره برحيل القوم
فأصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقد رد اللَّه عدوه بغيظه
لم ينالوا خيراً
وكفاه اللَّه قتالهم
فصدق وعده
وأعز جنده، ونصر عبده
وهزم الأحزاب وحده، فرجع إلى المدينة.

وكانت غزوة الخندق
سنة خمس من الهجرة في شوال
على أصح القولين
وأقام المشركون محاصرين
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين شهراً
أو نحو شهر
ويبدو بعد الجمع بين المصادر
أن بداية فرض الحصار كانت في شوال
ونهايته في ذي القعدة
إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر
بل كانت معركة أعصاب
لم يجر فيها قتال مرير
إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإِسلام
تمخضت عن تخاذل المشركين
وأفادت أن أية قوة من قوات العرب
لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة
لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى
مما أتت به في الأحزاب
ولذلك قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
حين أجلى اللَّه الأحزاب الآن نغزوهم لا يغزونا
نحن نسير إليهم.

غزوة بني قريظة

وفي اليوم الذي رجع فيه رسول اللَّه إلى المدينة
جاءه جبريل عليه السلام عند الظهر
وهو يغتسل في بيت أم سلمة
فقال أو قد وضعت السلاح؟
فإن الملائكة لم تضع أسلحتهم
وما رجعت الآن إلا من طلب القوم
فانهض بمن معك إلى بني قريظة
فإني بسائر أمامك أزلزل بهم حصونهم
وأقذف في قلوبهم الرعب
فسار جبريل في موكب من الملائكة.
فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مؤذناً
فأذن في الناس
من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر
إلا ببني قريظة واستعمل على المدينة
ابن مكتوم وأعطى الراية علي بن أبي طالب
وقدمه إلى بني قريظة
وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
في موكبه من المهاجرين والأنصار
حتى نزل على بئر من آبار قريظة
يقال لها بئر أنا
وبادر المسلمون إلى إمتثال أمره
ونهضوا من فورهم
وتحركوا نحو قريظة
وأدركتهم العصر في الطريق
فقال بعضهم لا نصليها إلا في بني قريظة
كما أمرنا حتى أن رجالاً منهم صلوا العصر
بعد العشاء الآخرة
وقال بعضهم لم يرد منا ذلك
وإنما أراد سرعة الخروج
فصلوها في الطريق
فلم يعنف واحدة من الطائفتين.

هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة
حتى تلاحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم
وهم ثلاثة آلاف
والخيل ثلاثون فرساً
فنازلوا حصون بني قريظة
وفرضوا عليهم الحصار.

ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم
رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال
إما أن يسلموا
ويدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه
فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم
وقد قال لهم واللَّه لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل
وأنه الذي تجدونه في كتابكم
وإما أن يقتلوا ذراريهم ونساءهم
بأيديهم ويخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالسيوف
وإما أن يهجموا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه
فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة من هذه الخصال الثلاث
وحينئذ قال سيدهم كعب بن أسد
في انزعاج وغضب
ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة
من الدهر حازماً.

ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث

إلا أن ينزلوا على حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسلم
لكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض
حلفائهم من المسلمين لعلهم يتعرفون
ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه
فبعثوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أن أرسل إلينا
أبا لبابة نستشيره وكان حليفاً لهم
وكانت أمواله وولده في منطقتهم
فلما رأوه قام إليه الرجال
وجهش النساء والصبيان يبكون في وجهه
فرق لهم
وقالوا .... يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟
قال ... نعم وأشار بيده
إلى حلقه يقول إنه الذبح
ثم علم من فوره أنه خان اللَّه ورسوله
فمضى على وجهه
ولم يرجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة
فربط نفسه بسارية المسجد
وحلف أن لا يحله إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده
وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً.
فلما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خبره
وكان قد استبطأه
قال أما إنه لو جاءني لاستغفرت له
أما إذ قد فعل ما فعل
فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللَّه إليه.
وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة
قررت قريظة النزول
على حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل
لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار
ومناعة الحصون
ولأن المسلمين كانوا يقاسون البرد القارس
والجوع الشديد
وهم في العراء مع شدة التعب الذي اعتراهم
لمواصلة الأعمال الحربية
من قبل بداية معركة الأحزاب
إلا أن حرب قريظة كانت حرب أعصاب
فقد قذف اللَّه في قلوبهم الرعب
وأخذت معنوياتهم تنهار
وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته
أن تقدم علي بن أبي طالب
والزبير بن العوام
وصاح علي يا كتيبة الإيمان
واللَّه لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم.

وحينئذ بادروا إلى النزول
على حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
باعتقال الرجال فوضعت القيود
في أيديهم تحت إشراف محمد بن سلمة الأنصاري
وجعلت النساء بمعزل عن الرجال في ناحية
وقامت الأوس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فقالوا... يا رسول اللَّه قد فعلت في بني قينقاع
ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج
وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم
فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟
قالوا: بلى.
قال: فذاك إلى سعد ابن معاذ
قالوا: قد رضينا.

فأرسل إلى سعد بن معاذ
وكان في المدينة، لم يخرج معهم
للجرح الذي كان أصاب أكحله في معركة الأحزاب. فأركب حماراً
وجاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فجعلوا يقولون
وهم كنفيه يا سعد أجمل في مواليك فأحسن فيهم
فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قد حكمك لتحسن فيهم
وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً
فلما أكثروا عليه قال... لقد آن لسعد
أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم
فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة
فنعى إليهم القوم.
ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم
قال للصحابة قوموا إلى سيدكم
فلما أنزلوه قالوا... يا سعد إن هؤلاء القوم
قد نزلوا على حكمك
قال: وحكمي نافذ عليهم؟
قالوا: نعم وقال: وعلى المسلمين؟
قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟
وأعرض بوجهه
وأشار إلى ناحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إجلالاً له وتعظيماً
قال: نعم وعلي. قال: فإني أحكم فيهم
أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات.
وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف
فإن بني قريظة بالإضافة إلى ما ارتكبوا
من الغدر الشنيع كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين
ألفاً وخمسمائة سيف
وألفين من الرماح وثلاثمائة درع وخمسمائة
ترس وجحفة
حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.

وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة
الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد
وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين
في أحرج ساعة كانوا يمرون بها في حياتهم
وكانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر مجرمي الحروب
الذين يستحقون المحاكمة والإعدام
وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير
قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين وهو خلاد بن سويد
ومات في الحصار أبو سنان بن محصن أخو عكاشة.
أما أبو لبابة
فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال تأتيه امرأته
في وقت كل صلاة فتحله للصلاة
ثم يعود فيرتبط بالجذع
ثم نزلت توبته على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وهو في بيت أم سلمة
فقامت على باب حجرتها
وقالت لي يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللَّه عليك
فثار الناس ليطلقوه
فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم
خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه.
ودام الحصار خمساً وعشرين ليلة.
وأنزل اللَّه تعالى في غزوة الأحزاب
وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب
علق فيها على أهم جزئيات
الوقعة بين حال المؤمنين والمنافقين
ثم تخذيل الأحزاب
ونتائج الغدر من أهل الكتاب

البروفيسور
07-25-2013, 01:33 AM
إلى الرفيق الأعلى
طلائع التوديع

لما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف
أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء
تطلع من مشاعر صلى الله عليه وسلم
وتتضح بعباراته وأفعاله.
إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً
بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب
وقال في حجة الوداع إني لا أدري
لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً
وقال
وهو عند جمرة العقبة خذوا عني مناسككم
فلعلي لا أحج بعد عامي هذا
وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع
وأنه نعيت إليه نفسه.
وفي أوائل صفر سنة 11هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد
فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات
ثم انصرف إلى المنبر
فقال: إني فرطكم وإني شهيد عليكم
وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن
وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض
أو مفاتيح الأرض
وإني واللَّه ما أخاف أن تشركوا بعدي
ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها.
وخرج ليلة في منتصفها
إلى البقيع فاستغفر لهم وقال
السلام عليكم يا أهل المقابر
ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم
يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى
وبشرهم قائلاً إنا بكم للاحقون.

بداية المرض

شهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جنازة
في البقيع. فلما رجع
وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه
واتقدت الحرارة
حتى إنهم يجدون سورتها فوق العصابة
التي تعصب بها رأسه.

وقد صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالناس
وهو مريض 11 يوماً
وجميع أيام المرض كانت 13، أو 14 يوماً.

الأسبوع الأخير

وثقل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المرض
فجعل يسأل أزواجه أين أنا غداً؟
أين أنا غداً؟
ففهمن مراده
فأذن له يكون حيث شاء
فانتقل إلى عائشة يمشي بين الفضل بن عباس
وعلي بن أبي طالب
عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها
فقضى عندها آخر أسبوع من حياته.

وكانت عائشة رضي الله عنه
تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها
من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فكانت تنفث على نفسه
وتمسحه بيده رجاء البركة.

قبل الوفاة بخمسة أيام

ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة
اتقدت حرارة العلة في بدنه
فاشتد به الوجع وأغمي عليه
فقال: هريقوا على سبع قرب من آبار شتى
حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم
فأقعدوه في مخضب
وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول حسبكم، حسبكم.

وعند ذلك أحس بخفة
فدخل المسجد- وهو معصوب الرأس
حتى جلس على المنبر
وخطب الناس والناس مجتمعون حوله
فقال
لعنة اللَّه على اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
وفي رواية
قاتل اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد
وقال لا تتخذوا قبري وثناً يعبد.
وعرض نفسه للقصاص قائلاً
من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه
ومن كنت شتمت له عرضاً
فهذا عرضي فليستقد منه.
ثم نزل فصلى الظهر
ثم رجع فجلس على المنبر
وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها
فقال رجل إن لي عندك ثلاثة دراهم
فقال: أعطه يا فضل
ثم أوصى بالأنصار قائلاً
أوصيكم بالأنصار
فإنهم كرشي وعيبتي
وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم
فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم
وفي رواية
أنه قال ...إن الناس يكثرون
وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام
فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً
أو ينفعه فليقبل من محسنهم
ويتجاوز عن مسيئهم.
ثم قال
إن عبداً خيره اللَّه أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده
فاختار ما عنده
قال أبو سعيد الخدري
فبكى أبو بكر
قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا له
فقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ
يخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
عن عبد خيره اللَّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا.
وبين ما عنده
وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا
فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو المخير
وكان أبو بكر أعلمنا.

ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
إن من أأمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر
ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي
لاتخذت أبا بكر خليلاً.
ولكن أخوة الإسلام ومودته
لا يبقين في المسجد باب إلا سد
إلا باب أبي بكر.
قبل أربعة أيام
ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام قال
وقد اشتد به الوجع
هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده
وفي البيت رجال فيهم عمر
فقال عمر قد غلب عليه الوجع
وعندكم القرآن
حسبكم كتاب اللَّه.
فاختلف أهل البيت واختصموا
فمنهم من يقول قربوا يكتب
لكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ومنهم من يقول ما قال عمر
فلما أكثروا اللغط والاختلاف
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قوموا عني.
وأوصى ذلك اليوم بثلاث أوصى
بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب
وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم
أما الثالث فنسيه الراوي
ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة
أو تنفيذ جيش أسامة
أو هي الصلاة وما ملكت أيمانكم.
والنبي صلى الله عليه وسلم مع ما كان به من شدة المرض
كان يصلي بالناس جميع صلواته
حتى ذلك اليوم
يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام
وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب
فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً.

وعند العشاء زاد ثقل المرض
بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد
قالت عائشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم
أصلى الناس؟
قلنا: لا يا رسول اللَّه
وهم ينتظرونك
قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا
فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه
ثم أفاق، فقال: أصلى الناس
ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولى
من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء
فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس
فصلى أبو بكر تلك الأيام 17 صلاة في حياته
صلى الله عليه وسلم.

وراجعت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم
ثلاث أو أربع مرات
ليصرف الإمامة عن أبي بكر حتى لا يتشاءم به الناس فأبى
وقال: إنكن صواحب يوسف
مروا أبا بكر فليصل بالناس.

قبل يوم أو يومين

ويوم السبت أو الأحد
خرج بين رجلين لصلاة الظهر
وأبو بكر يصلي بالناس
فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر
فأومأ إليه بأن لا يتأخر
قال: أجلساني إلى جنبه
فأجلساه إلى يسار أبي بكر
فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ويسمع الناس التكبير.

قبل يوم

وقبل يوم من الوفاة - يوم الأحد
أعتق النبي صلى الله عليه وسلم غلمانه
وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده
ووهب للمسلمين أسلحته
وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح
من جارتها
وكانت درعه صلى الله عليه وسلم مرهونة
عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير.

البروفيسور
07-25-2013, 01:33 AM
آخر يوم من الحياة

روى أنس بن مالك أن المسلمين بيناهم
في صلاة الفجر من يوم الإثنين
وأبو بكر يصلي بهم
لم يفاجئهم إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم
وهم في صفوف الصلاة
ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه
ليصل الصف
وظن أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يريد أن يخرج إلى الصلاة
فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم
فرحا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فأشار إليهم بيده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
أن أتموا صلاتكم
ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
ثم لم يأت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى
دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة فسارّها بشيء فبكت ثم دعاها
فسارها بشيءٍ فضحكت
قالت عائشة فسألنا عن ذلك
أي فيما بعد فقالت
سارني النبي صلى الله عليه وسلم
أنه يقبض في وجعه الذي توفى فيه
فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت.

وبشر النبي صلى الله عليه وسلم
فاطمة رضي الله عنه بأنها
سيدة نساء العالمين.

ورأت فاطمة ما برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
من الكرب الشديد الذي يتغشاه فقالت
واكرب أباه
فقال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم.

ودعا الحسن والحسين فقبلهما
وأوصى بهما خيراً
ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.
وطفق الوجع يشتد ويزيد

وأوصى الناس، فقال: الصلاة الصلاة
وما ملكت أيمانكم كرر ذلك مراراً.

الرفيق الاعلى
الاختصار

وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة رضي الله عنه إليها
وكانت تقول
إن من نعم اللَّه علي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري
وأن اللَّه جمع بين ريقي وريقه عند موته
دخل عبد الرحمن بن أبي بكر
وبيده السواك
وأنا مسندة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فرأيته ينظر إليه
وعرفت أنه يحب السواك
فقلت آخذه لك
فأشار برأسه أن نعم
فتناولته فاشتد عليه
وقلت: ألينه لك
فأشار برأسه أن نعم
فلينته، فأمره
وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستناً
وبين يديه ركوة فيها ماء
فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه
يقول لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات
وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه
وشخص بصره نحو السقف
وتحركت شفتاه فأصغت إليه عائشة
وهو يقول مع الذين أنعمت عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين
اللهم اغفر لي وارحمني
وألحقني بالرفيق الأعلى
اللهم الرفيق الأعلى.
كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً
ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى

وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ.
وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.

تفاقم الأحزان على الصحابة

وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على أهل المدينة
أرجاؤها وآفاقها
وقال أنس ما رأيت يوماً قط كان أحسن
ولا أضوأ من يوم دخل علينا
فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
ولما مات قالت فاطمة يا أبتاه أجاب ربا دعاه
يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه
يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه.

موقف عمر رضي الله عنه

ووقف عمر بن الخطاب
وقد أخرجه الخبر عن وعيه
يقول... إن رجالاً من المنافقين يزعمون
أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم توفي
وإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما مات
لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران
فغاب عن قومه أربعين ليلة
ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات
وواللَّه ليرجعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.

موقف أبي بكر رضي الله عنه

وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح
حتى نزل، فدخل المسجد
فلم يكلم الناس
حتى دخل على عائشة
فتيمم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وهو مغشى بثوب حبرة
فكشف عن وجهه ثم أكب عليه
فقبله وبكى
ثم قال بأبي أنت وأمي
لا يجمع اللَّه عليك موتتين
أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.
ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس
فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس
فأقبل الناس إليه
وتركوا عمر، فقال أبو بكر

أما بعد
من كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم
فإن محمداً قد مات.
ومن كان منكم يعبد اللَّه
فإن اللَّه حي لا يموت

قال اللَّه
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

قال ابن عباس
واللَّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية
حتى تلاها أبو بكر
فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمع بشراً
من الناس إلا يتلوها.
قال ابن المسيب قال عمر واللَّه
ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها
فعقرت حتى ما تقلني رجلاي
وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها
علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.

التجهيز وتوديع الجسد الشريف

ووقع الخلاف في أمر الخلافة
قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه وسلم
فجرت مناقشات ومجادلات
وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار
في سقيفة بني ساعدة
وأخيراً اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي اللَّه عنه
ومضى في ذلك بقية يوم الإثنين
حتى دخل الليل
وشغل الناس عن جهاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
حتى كان آخر الليل
ليلة الثلاثاء مع الصبح
وبقي جسده المبارك على فراشه مغشى بثوب حبرة
قد أغلق دونه الباب أهله.
ويوم الثلاثاء غسلوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
من غير أن يجردوه من ثيابه
وكان القائمون بالغسل العباس وعليا
والفضل وقثم ابني العباس
وشقران مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وأسامة بن زيد
وأوس بن خولي
فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه
وأسامة وشقران يصبان الماء
وعلي يغسله، وأوس أسنده إلى صدره.
ثم كفنوه في ثلاثة أثواب

البروفيسور
07-25-2013, 01:36 AM
تـــــــــم بحـــــــمد الله

الحمد لله الذي هدانا للاسلام وأعزنا به
فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
ولا نعبد إلا إياه
وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله
الحمد الذي أخرجنا من ظلمات الجهل
الى نور العلم
الغاية من هذا الموضوع هو مقارنة
هذا الزمن بغيره
والمقارنة ستفيدنا وستجعلنا
لا ننسى شكر الله على النعم
اللهم لك الحمد حتى ترضى
ولك الحمد إذا رضيت
ولك الحمد بعد الرضا

اسأل الله أن يمن علينا وعليكم بشكر نعمه
و حسن عبادته و دوام ذكره
نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على ديننا
وأن يقينا وإياكم شر الفتن ما ظهر منها
وما بطن
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه
وأرنا الباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه

اللهم إن كان ما كتبتِ
و قلت صواباً فمنك وحدك لا شريك لك
و إن كان خطأ فمن نفسى والشيطان
وأسألك اللهم العفو و الغفران
و الله ولى التوفيق

البلسم العميري
07-25-2013, 06:42 AM
عذرا أخي
وحسب قوانين القسم الأسلامي
يغلق الموضوع لمخالفته شروط ((الاسناد)) ولعدم الاشارة لذالك